الثلاثاء، ٦ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ / 18 أغسطس 2026 م 01:14 م بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

فلسطين في لوحة... فنانون بالقاهرة يتصدون لمحاولات محو الهوية في المتحف البريطاني

معرض فني وفعاليات ثقافية تؤكد على الوجود الفلسطيني وتاريخه ا
استمع للخبر الشرق الأوسط عبد الفتاح يوسف 2026-03-22 18:06 58
فلسطين في لوحة... فنانون بالقاهرة يتصدون لمحاولات محو الهوية في المتحف البريطاني

في عالم تتسارع فيه وتيرة التغييرات السياسية والجغرافية، يبقى الفن الشاهد الأبدي على حقيقة لا تزول: حقيقة الشعوب وهوياتها. فبينما تتغير الخرائط وتتبدل التسميات، يظل صوت الإبداع هو الصدى الحقيقي للذاكرة الجمعية، والدرع الواقي للهوية من محاولات الطمس.

هذا ما تجسد مؤخراً في قلب القاهرة، حيث اجتمع نخبة من الفنانين والمثقفين المصريين والعرب، في وقفة فنية مؤثرة، لمواجهة ما اعتبروه محاولة لطمس الهوية الفلسطينية عبر بوابة أحد أعرق المؤسسات الثقافية في العالم: المتحف البريطاني. جاء هذا التجمع رداً على تقارير تفيد بحذف اسم 'فلسطين' من بطاقات تعريف بعض المقتنيات الأثرية والتاريخية المعروضة في المتحف، في خطوة أثارت استياء واسعاً في الأوساط الثقافية والسياسية، واعتبرها الكثيرون تعدياً على التاريخ وذاكرة شعب بأكمله.

المتحف البريطاني، الذي يُعدّ خازناً لتراث الإنسانية ومرجعاً عالمياً للحضارات، وجد نفسه في مرمى النقد بسبب هذا القرار. فبالنسبة للكثيرين، لا يمثل حذف اسم 'فلسطين' مجرد تعديل إداري بسيط، بل هو جزء من محاولات أوسع لمحو الوجود والتاريخ الفلسطيني، وتغيير السردية التاريخية لصالح روايات أخرى. تاريخياً، كانت فلسطين حاضرة في السجلات والوثائق والمقتنيات الأثرية لقرون طويلة، وتغيير هذه التسميات يمس جوهر الذاكرة الحضارية لشعب بأكمله، ويقوض مبادئ الحيادية والموضوعية التي يفترض أن تلتزم بها المؤسسات الثقافية الكبرى.

في قاعة عرض فنية بالقاهرة، تحولت اللوحات والمنحوتات إلى منابر صامتة لكنها قوية، تصرخ بالحقائق التي لا تستطيع الكلمات الرسمية أن تعبر عنها. الفنانون، كل بطريقته، قدموا أعمالاً فنية تجسد جمال فلسطين، صمود شعبها، غنى تاريخها، وعمق ارتباطها بأرضها. من خلال الألوان والأشكال، أعادوا رسم فلسطين في أذهان الحاضرين، مؤكدين أن الهوية لا يمكن أن تُصادر بقرار إداري أو تُحذف من بطاقة تعريف، وأن الوجود الفلسطيني متجذر في أعماق التاريخ والجغرافيا.

الفنان التشكيلي أحمد عبد الله، الذي شارك بلوحة تجسد شجرة زيتون معمرة، قال: 'شجرة الزيتون هذه عمرها مئات السنين، وهي شاهدة على أجيال وأجيال من الفلسطينيين. هل يمكن لأي متحف أن يمحو تاريخ هذه الشجرة أو تاريخ من زرعها؟ فننا هو ردنا، هو إثبات وجودنا الذي لا يحتاج لإذن من أحد.' وأضافت الشاعرة ليلى محمود، التي ألقت قصيدة مؤثرة عن القدس، مزجت فيها بين الألم والأمل: 'المتاحف قد تعرض قطعاً من الماضي، لكن الفن يصنع المستقبل. نحن نكتب ونرسم ونغني لفلسطين، لتبقى حية في كل بيت، في كل قلب، لا مجرد اسم على جدار يمكن حذفه بسهولة.' كانت كلماتهم وأعمالهم صدى لمشاعر الآلاف الذين يرون في الفن ملاذاً وحصناً للهوية.

تجاوزت هذه الفعالية مجرد الاحتجاج، لتصبح احتفالاً بالهوية والصمود. لقد أثبتت أن الفن ليس مجرد ترف، بل هو أداة قوية للمقاومة الثقافية، ووسيلة للحفاظ على الذاكرة الجمعية في مواجهة محاولات التشويه والطمس. فمن خلال الفن، يتمكن الشعب من سرد قصته الخاصة، بعيداً عن الروايات الرسمية التي قد تكون متحيزة أو مبتورة. إنه صوت الشعب الذي يرفض أن يُنسى أو أن تُصادر حكايته، ويؤكد على حقه في الوجود والاعتراف.

هذه الوقفة الفنية في القاهرة ليست منعزلة، بل هي جزء من حراك عالمي أوسع يطالب بالعدالة الثقافية والاعتراف بحقوق الشعوب الأصلية في سرد تاريخها. إنها تضع المتحف البريطاني، وغيره من المؤسسات الكبرى، أمام مسؤوليتهم الأخلاقية والتاريخية في عرض التاريخ بحيادية وصدق، دون الانجرار وراء الأجندات السياسية التي تسعى لتغيير الحقائق. فالمتاحف يجب أن تكون جسوراً للتفاهم بين الحضارات، لا أدوات لمحو هوياتها أو طمس وجودها.

في نهاية المطاف، يبقى الدرس واضحاً: فلسطين ليست مجرد اسم على بطاقة تعريف أو نقطة على خريطة. فلسطين هي روح، تاريخ، شعب، ثقافة، وفن. ومهما بلغت محاولات التغيير، سيظل الفنانون والمثقفون حول العالم يرفعون راية فلسطين، ليس فقط في المعارض الفنية وعلى منصات الاحتجاج، بل في عمق الوجدان الإنساني، لتظل حقيقة لا يمكن محوها أو نسيانها، وشهادة حية على صمود شعب لا يلين.

# فلسطين، المتحف البريطاني، فن، هوية، مقاومة ثقافية، القاهرة، تراث، ذاكرة
اقرأ هذا الخبر