تتفاعل في إسرائيل تداعيات إعلان الولايات المتحدة وقف إطلاق نار مؤقت مع إيران، في خطوة فجرت أزمة سياسية داخلية حادة وانقساماً غير مسبوق. يجد رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو نفسه في قلب هذه العاصفة، محاطاً بضغوط واشنطن من جهة، وتحديات ميدانية متصاعدة على الجبهة اللبنانية من جهة أخرى، مما يضعه أمام معادلة معقدة ومأزق سياسي وعسكري.
خلفية التسوية وتداعياتها
كانت واشنطن قد أعلنت تعليق هجماتها على إيران لمدة أسبوعين، بهدف إفساح المجال أمام المفاوضات. موقف نتنياهو من هذه التهدئة جاء مؤيداً لها، لكنه أصر على أن هذا الاتفاق لا يشمل لبنان. هذا التأكيد يتناقض بشكل صارخ مع تسريبات إقليمية تحدثت عن شمول الاتفاق مختلف الجبهات، بما في ذلك الساحة اللبنانية، مما أثار تساؤلات حول مدى التنسيق والشفافية في هذه التفاهمات.
انتقادات داخلية حادة لنتنياهو
من رام الله، نقل مدير مكتب الجزيرة وليد العمري أن الساحة السياسية الإسرائيلية تشهد حالة تعبئة غير مسبوقة ضد نتنياهو. لم يسارع حلفاؤه للدفاع عنه، في حين تتصاعد انتقادات المعارضة وجنرالات سابقين. هؤلاء الجنرالات وصفوا قرار نتنياهو بأنه بمثابة "إهدار" لما حققه الجيش الإسرائيلي خلال الحرب الأخيرة، معتبرين أن المكاسب العسكرية لم تُترجم إلى إنجازات سياسية. وتشير هذه الانتقادات إلى أن إصرار نتنياهو على استثناء لبنان من وقف إطلاق النار قد يكون محاولة متعمدة لإفشال المسار التفاوضي، مستذكراً تجارب سابقة في غزة وإيران، وفقاً لما نقله العمري عن مسؤول سابق في مجلس الأمن القومي الإسرائيلي.
اقرأ أيضاً
- رونالدو ومودريتش يتحديان الزمن في قمة البرتغال وكرواتيا بالمونديال
- انفجار دمشق: تسعة قتلى وعشرون جريحاً في مقهى بوسط العاصمة
- يويفا يرفض تطبيق قاعدة فيفا الجديدة لطرد اللاعبين لتغطية أفواههم
- مانشستر سيتي يضم جوهرة إنجلترا إليوت أندرسون بصفقة 155 مليون دولار
- إيران ولبنان: محادثات الدوحة تسفر عن نتائج إيجابية وسط تطورات جنوب لبنان
الوضع الميداني في لبنان
على الصعيد الميداني، أفادت القناة 12 الإسرائيلية بأن القيادة الشمالية للجيش أبلغت رؤساء السلطات المحلية بأن التهدئة لا تشمل لبنان، داعية إلى استمرار الالتزام بإجراءات الحماية. هذا الإبلاغ جاء في ظل استمرار الغارات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية، مما يشير إلى نية إسرائيلية واضحة في فصل الجبهات أو التصعيد فيها. ويرى مراقبون أن هذا التصعيد يخدم هدفين رئيسيين: الأول هو محاولة استدراج حزب الله للرد بما يعرقل التهدئة الشاملة، والثاني هو تثبيت واقع ميداني جديد يكرّس سيطرة إسرائيلية على مناطق في جنوب لبنان، على غرار ما حدث في قطاع غزة.
المأزق السياسي وتداعيات السخط الشعبي
سياسياً، يعكس المشهد الإسرائيلي شبه إجماع على أن نتنياهو لم يكن يملك هامش مناورة أمام القرار الأمريكي، مما دفعه للقبول بالشق المتعلق بإيران. لكنه سعى لتعويض ذلك عبر التصعيد في لبنان ومحاولة فرض فصل الجبهات. وقد امتدت حالة السخط إلى سكان الشمال الإسرائيلي، الذين عبّر بعض قادتهم عن فقدان الثقة بالحكومة، مطالبين بمعرفة "الحقيقة" من واشنطن، في إشارة إلى اعتقاد متزايد بأن القرار الفعلي بات خارج تل أبيب. في هذا السياق، وصف زعيم المعارضة يائير لبيد ما جرى بأنه "كارثة سياسية غير مسبوقة"، معتبراً أن نتنياهو فشل في ترجمة الإنجازات العسكرية إلى مكاسب سياسية، وهو تقييم شاركه فيه وزير الدفاع الأسبق أفيغدور ليبرمان.
مخاوف إسرائيلية وقراءات متباينة
من جانبه، قال الباحث في الشأن الإسرائيلي وليد حباس إن القلق داخل إسرائيل يتمحور حول أربعة ملفات رئيسية، أبرزها مصير البرنامج النووي الإيراني وبرنامج الصواريخ، إضافة إلى احتمال رفع العقوبات عن طهران، ومستقبل العلاقة بين إيران وحزب الله. وأوضح أن المخاوف الإسرائيلية تتزايد من أن تفضي المفاوضات إلى اتفاق لا يراعي المصالح الإسرائيلية، خاصة في ظل مؤشرات على استبعاد تل أبيب من بعض تفاصيل التفاهمات الجارية بين واشنطن وطهران.
أخبار ذات صلة
- الجزائر: هل تتحول إلى وجهة حج كاثوليكية عالمية؟
- مضيق هرمز: كيف تحول الشريان النفطي العالمي إلى ورقة إيران الرابحة؟
- السودان: الذكرى الثالثة للحرب تكشف عن كارثة إنسانية بأكثر من 150 ألف ضحية
- العمرة للصم: رحلة روحانية شاملة تفتح آفاقاً جديدة في الأراضي المقدسة
- بي بي سي نيوز عربي تطلق قناتها الرسمية على واتساب: متابعة فورية لأبرز التطورات العالمية
الرؤية الإيرانية والموقف الأمريكي
بدوره، اعتبر رئيس نقابة مراكز الأبحاث في إيران عماد أبشناس أن بلاده خرجت "أقوى" من المواجهة، وأنها نجحت في فرض شروطها، بما في ذلك الإصرار على شمول أي وقف لإطلاق النار الجبهة اللبنانية. وأشار أبشناس إلى أن طهران أبلغت واشنطن عبر وسطاء، أن عدم التزام إسرائيل بوقف إطلاق النار في لبنان سيقابل بتصعيد من "جبهة المقاومة"، مما يعكس تمسك إيران برفض فصل المسارات بين الجبهات المختلفة. أما من واشنطن، فرأى المحلل الإستراتيجي أدولفو فرانكو أن وقف إطلاق النار يعكس نجاح الضغوط الأمريكية، مؤكداً أن أي اتفاق دائم يجب أن يتضمن وقف تخصيب اليورانيوم وفتح مضيق هرمز، معتبراً ذلك شرطاً لتحقيق "سلام شامل".
المعضلة الاستراتيجية والآفاق المستقبلية
بين هذه القراءات المتباينة، تبرز معضلة إسرائيل الاستراتيجية التي أشار إليها حباس، والمتمثلة في امتلاكها تفوقاً عسكرياً يقابله ضعف سياسي، مما يجعلها عاجزة عن تحويل القوة إلى إنجازات دبلوماسية مستدامة. ومع استمرار الغموض بشأن ما إذا كانت التهدئة ستشمل لبنان فعلياً، تتجه الأنظار إلى الساعات المقبلة التي قد تحدد ما إذا كانت إسرائيل ستنجح في فرض فصل الجبهات، أم أن التصعيد سيتجدد ويقوّض مسار التسوية برمته، مما يهدد بتعميق الأزمة الإقليمية.