السبت، ١٠ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ / 22 أغسطس 2026 م 03:47 م بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

ألمانيا والولايات المتحدة: الشراكة عبر الأطلسي على مفترق الطرق

مؤتمر ميونيخ للأمن الثاني والستون يسلط الضوء على التوترات ال
استمع للخبر منوعات عبد الفتاح يوسف 2026-02-15 12:09 9
ألمانيا والولايات المتحدة: الشراكة عبر الأطلسي على مفترق الطرق

ألمانيا - وكالة أنباء إخباري

ألمانيا والولايات المتحدة: الشراكة عبر الأطلسي على مفترق الطرق

يشهد عام 2026 حدثًا دبلوماسيًا دوليًا بارزًا مع افتتاح مؤتمر ميونيخ للأمن الثاني والستين يوم الجمعة الموافق 13 فبراير. هذا الحدث السنوي، الذي يُعد تقليديًا مقياسًا للعلاقات الجيوسياسية، يكتسب هذه المرة صدى خاصًا، إذ يُعقد في مناخ من عدم اليقين العميق بشأن مستقبل الشراكة عبر الأطلسي، لا سيما بين ألمانيا والولايات المتحدة. قبل عام واحد، وفي الإطار ذاته، ألقى نائب الرئيس الأمريكي جيه. دي. فانس خطابًا قويًا مناهضًا لأوروبا، وهو خطاب اعتُبر "صفعة" دبلوماسية حقيقية في برلين.

لم يكن هذا التصريح حادثًا منعزلاً، بل كان بمثابة عرض لتدهور تدريجي في العلاقات الثنائية، تفاقم بسبب سياسات الرئيس دونالد ترامب. تاريخيًا، تشكلت هوية ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية على ركيزة لا تتزعزع: شراكتها مع الولايات المتحدة. هذا الارتباط، الذي تعززته خطة مارشال، وإنشاء حلف الناتو، وعقود من التعاون في مواجهة التهديد السوفيتي، شكل أساس إعادة الإعمار والازدهار الألماني. ومع ذلك، فإن نهج "أمريكا أولاً" الذي اتبعته إدارة ترامب زرع بذور الخلاف، وشكك في التحالفات التقليدية، وطالب بإعادة توزيع الأعباء، لا سيما داخل الناتو، مما أدى حتمًا إلى زيادة انعدام الثقة.

على الرغم من محاولات المستشار الألماني فريدريش ميرتس تبني لهجة تصالحية والحفاظ على الحوار، فإن الاختلافات الاستراتيجية والتوترات الأيديولوجية لا تزال قائمة. يبقى السؤال المحوري: ما هي خصوصية هذه العلاقة الألمانية الأمريكية، وهل يمكنها أن تصمد أمام ولاية جديدة لدونالد ترامب، أو حتى أمام عصر من القومية المتزايدة في الولايات المتحدة؟ بالنسبة لغيوم دوفال، مستشار في معهد جاك ديلور والمستشار السابق لجوزيب بوريل، فإن الوضع الحالي يجبر أوروبا على إعادة تعريف استقلاليتها الاستراتيجية. يجب على ألمانيا، على وجه الخصوص، أن تتنقل بين ولائها التاريخي لواشنطن وضرورة تعزيز السيادة الأوروبية في مواجهة التحديات العالمية المعقدة.

تشير آن ساليس، محاضرة في جامعة السوربون ومتخصصة في الحضارة الألمانية المعاصرة، إلى أن "الصفعة" التي شعرت بها ألمانيا عميقة بشكل خاص لأن الأمة بنت هويتها السلمية والديمقراطية على هذه الشراكة. التشكيك في هذا الأساس يعني هز جزء من التصور الذاتي الألماني. إن الخطاب المناهض لأوروبا، الذي يُنظر إليه على أنه رفض للقيم المتعددة الأطراف والتعاون الدولي، وهي مبادئ عزيزة على برلين، يخلق فجوة يصعب ردمها.

يضع بول موريس، الأمين العام للجنة دراسات العلاقات الفرنسية الألمانية (Cerfa) في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، التحديات الحالية في سياق أوروبا المتغيرة. تذكر دراسته، "خمسة وثلاثون عامًا بعد سقوط جدار برلين: ما الجديد في الشرق؟"، أن الديناميكيات الجيوسياسية قد تطورت بشكل كبير منذ نهاية الحرب الباردة. ألمانيا، محور أوروبا، تواجه حقائق أمنية واقتصادية جديدة، حيث لم يعد الضمان الأمريكي يُنظر إليه على أنه غير مشروط. وبالتالي، فإن مسألة رد برلين حاسمة: هل هي إعادة توجيه استراتيجي نحو استقلالية أوروبية أكبر، أم تعزيز للروابط داخل أوروبا، أم محاولة للحفاظ على شراكة عبر الأطلسي ضعيفة بأي ثمن؟

إن الرهان يتجاوز مجرد العلاقة الثنائية. فاستقرار حلف الناتو، وإدارة الأزمات الدولية، والاستجابة للتحديات المناخية، وتنظيم التجارة العالمية، تعتمد إلى حد كبير على قدرة القوتين على إيجاد أرضية مشتركة. سيكون مؤتمر ميونيخ فرصة لتقييم عمق أزمة الثقة هذه واستكشاف نوايا الأطراف الرئيسية. بالنسبة لألمانيا، حان الوقت للتفكير الاستراتيجي في دورها في عالم متعدد الأقطاب، حيث تتلاشى يقينيات الماضي. إن نهاية "علاقة خاصة" كما عرفناها لن تعني بالضرورة قطيعة تامة، بل تحولًا عميقًا، مع تداعيات طويلة الأمد على النظام العالمي.

# ألمانيا، الولايات المتحدة، علاقات عبر الأطلسي، مؤتمر ميونيخ للأمن، دونالد ترامب، فريدريش ميرتس، جي دي فانس، حلف الناتو، السياسة الخارجية، الأمن الأوروبي
اقرأ هذا الخبر