ألمانيا - وكالة أنباء إخباري
إبراشية بادربورن: آلاف الضحايا ونظام ممنهج للتستر على الاعتداءات الجنسية
بادربورن، ألمانيا - كشفت دراسة مستقلة تم تقديمها مؤخرًا عن حجم صادم للاعتداءات الجنسية على القاصرين داخل أبرشية بادربورن الكاثوليكية، مشيرة إلى أن ما تم الكشف عنه حتى الآن لا يمثل سوى قمة جبل الجليد. الدراسة، التي أجرتها باحثتان وقدمت تفاصيلها يوم الخميس، سلطت الضوء على نظام طويل الأمد من الإخفاء والتستر، مما سمح بتكرار الانتهاكات على مدى عقود وحماية الجناة بدلاً من الضحايا.
وفقًا لنتائج الدراسة، التي تحمل عنوان "العنف الجنسي ضد القاصرين في أبرشية بادربورن"، فقد تم تحديد ما لا يقل عن 210 من رجال الدين المشتبه في ارتكابهم جرائم الاعتداء الجنسي على الأطفال، والذين يُعتقد أنهم اعتدوا على 489 ضحية على الأقل. هذه الأرقام تمثل ضعف ما كان معروفًا سابقًا، مما يشير إلى انتشار واسع لهذه الظاهرة في الفترة ما بين عامي 1941 و 2022.
اقرأ أيضاً
- الأسواق العالمية تتراجع مع تحذير ماركو روبيو من حرب في إيران قد تمتد لأسابيع
- وزير الدفاع هيغسيث يتدخل لوقف ترقيات ضباط سود ونساء - إن بي آر
- احتجاجات "لا ملوك" 2026: قائمة المواقع المخطط لها في جنوب كاليفورنيا
- قراصنة مرتبطون بإيران يخترقون البريد الإلكتروني الشخصي لمدير مكتب التحقيقات الفيدرالي وينشرون صورًا ووثائق
- ضربة على قاعدة أمريكية في السعودية تصيب 12 جنديًا أمريكيًا، اثنان منهم بإصابات خطيرة، حسبما أفاد مسؤولون
قالت الدكتورة نيكول بريشينغ، قائدة فريق الدراسة وأستاذة تاريخ الكنيسة والأديان في جامعة بادربورن، إن الأرقام المعلنة هي مجرد "لقطة" وأن "العدد غير المعلن (Dunkelfeld) أعلى بكثير". وأوضحت بريشينغ أن الدراسة بدأت في إحداث تغيير، حيث يتزايد عدد الضحايا الذين يتقدمون للإبلاغ عن تعرضهم للاعتداء. وأشارت إلى أن هذه الأرقام يجب أن تُؤخذ بحذر، لأنها تعكس فترة زمنية محددة وشهدت تطورات مستمرة.
وكشفت الدراسة عن وجود "دوامة من التستر" (Vertuschungsspirale) داخل الأبرشية. فقد ذكرت الدراسة أن العديد من الضحايا لم يتحدثوا عن تجاربهم المؤلمة حتى مع عائلاتهم أو محيطهم بسبب "واجبات الصمت" (Schweigegebote) المفروضة، أو ببساطة لم يجدوا من يلجأون إليه للحصول على الدعم. وحتى في الحالات التي سعى فيها الضحايا إلى الحصول على مساعدة من المؤسسات الكنسية أو المدنية، غالبًا ما تم رفض طلباتهم. وأكدت بريشينغ أنه لم تكن هناك جهات اتصال مخصصة سواء بين العلمانيين أو الكهنة للتعامل مع هذه القضايا. في العديد من الحالات، تم "إسكات" الاتهامات، ولم يتم اتخاذ أي إجراءات لحماية الضحايا.
أبرزت الدراسة بشكل خاص فترة حكم اثنين من كبار الأساقفة: لورنز جايجر (Lorenz Jaeger) ويوهانس يواكيم ديجناردت (Johannes Joachim Degenhardt). ووفقًا للدراسة، فقد تعامل كلا الأسقفين "بأقصى درجات التساهل" مع المذنبين، وقللوا من شأن الانتهاكات ووصفوها بأنها "حالات فردية"، متجاهلين بذلك حجم المشكلة الحقيقي. لم تكن هناك أي تدابير لحماية الضحايا خلال فترة ولايتهما. بل إن العروض العلاجية كانت موجهة حصريًا للكهنة المتهمين، وغالبًا ما كان الهدف منها هو إعادة إدماجهم في الخدمة الكنسية بعد فترة عقابية.
لم يقتصر الأمر على رجال الدين، بل امتد ليشمل العلمانيين أيضًا، حيث سادت "عقلية الحصار" (Wagenburgmentalität) التي هدفت إلى حماية "العالم المثالي" للكنيسة الكاثوليكية. وصفت الدراسة هذا التحالف بأنه "تحالف قاتل" (fatales Bündnis) استطاع أن يمارس تأثيره في كل من المجتمعات التقدمية والمحافظة. وقد أشار مجلس ممثلي الضحايا لدى مؤتمر الأساقفة الألمان إلى أن جايجر وديجناردت "لم يرقيا على الإطلاق إلى مستوى مسؤوليتهما القيادية" في التعامل مع قضايا الاعتداء الجنسي. وأكد المجلس أن هذه النتائج، المشابهة لتلك التي ظهرت في دراسات أخرى في أبرشيات مختلفة، تشير إلى أن المشكلة ليست مجرد سلوك فردي خاطئ، بل هي مشكلة هيكلية عميقة داخل الكنيسة.
تم تكليف بهذه الدراسة من قبل رئيس أساقفة بادربورن السابق، هانز-يوزيف بيكر (Hans-Josef Becker)، الذي استمر في منصبه حتى عام 2022. وتؤكد الأبرشية أن الدراسة مستقلة تمامًا، وهو ما أكدته أيضًا الدكتورة بريشينغ، مشيرة إلى أن لديها ولزميلتها كريستين هارتيغ (Christine Hartig) "وصولاً غير مقيد إلى الملفات". ومن المتوقع أن تقدم الباحثتان دراسة أخرى حول فترة ولاية الأسقف بيكر في العام المقبل.
وقبل تقديم الدراسة، برزت اتهامات خطيرة ضد الأسقف ديجناردت، تفيد بأنه لم يقم فقط بالتستر على الاعتداءات، بل قد يكون هو نفسه مرتكبًا لها. ومع ذلك، لم تقدم الدراسة الجديدة أي أدلة ملموسة تدعم هذه المزاعم. وأوضحت بريشينغ أنه لم تكن هناك "اكتشافات جديدة" في هذا الشأن. ورغم ذلك، صرح رينولد هارنيش (Reinhold Harnisch)، المتحدث باسم ممثلي الضحايا في أبرشية بادربورن، بأن لديهم اتهامًا ضد ديجناردت يعود تاريخه إلى نهاية عام 2025.
أخبار ذات صلة
تأتي هذه الدراسة في وقت حساس تشهد فيه الكنيسة الكاثوليكية في ألمانيا والعالم جهودًا مكثفة لمعالجة قضايا الاعتداء الجنسي داخل مؤسساتها. وتُعد النتائج التي توصلت إليها دراسة أبرشية بادربورن بمثابة جرس إنذار آخر يدق بقوة، مؤكدًا على الحاجة الماسة إلى الشفافية الكاملة، والمساءلة الصارمة، وإجراءات وقائية فعالة لضمان عدم تكرار هذه المآسي في المستقبل.