إخباري
الأحد ١٢ يوليو ٢٠٢٦ | الأحد، ٢٧ محرم ١٤٤٨ هـ
عاجل

اكتشاف أكسفورد يحل لغز المجال المغناطيسي للقمر

كيف كشفت صخور أبولو القمرية عن تاريخ مغناطيسي متقلب وغير متو

اكتشاف أكسفورد يحل لغز المجال المغناطيسي للقمر
عبد الفتاح يوسف
2026-03-04 04:50
4

المملكة المتحدة - وكالة أنباء إخباري

اكتشاف أكسفورد يحل لغز المجال المغناطيسي للقمر: عقود من الجدل تنتهي بتفسير بسيط

لطالما كان القمر، رفيقنا السماوي الأبدي، مصدرًا للفضول العلمي الذي لا ينتهي. عندما عاد رواد فضاء أبولو إلى الأرض في منتصف القرن الماضي، لم يجلبوا معهم مجرد قصص عن الرحلات بين النجوم، بل أحضروا كنزًا لا يقدر بثمن: 382 كيلوغرامًا من صخور القمر. هذه العينات، التي خضعت للتدقيق والقياس والنقاش لعقود، كانت تحمل في طياتها لغزًا استعصى على الحل: هل كان للقمر يومًا مجال مغناطيسي قوي، أم أنه كان دائمًا ضعيفًا مغناطيسيًا؟ هذا التساؤل العميق أشعل جدلاً علميًا حادًا قسم الخبراء لعقود، ولكن الآن، يبدو أن فريقًا من الباحثين في جامعة أكسفورد قد وجد الإجابة، مقدمًا تفسيرًا أنيقًا يربط بين الأدلة المتناقضة.

لفترة طويلة، انقسم المجتمع العلمي حول هذه المسألة المحورية. فمن ناحية، أشار العلماء إلى عينات أبولو نفسها، والتي أظهر العديد منها مغنطة قوية بشكل ملحوظ. هذه المغنطة القوية كانت تشير إلى أن القمر المبكر كان يمتلك مجالًا مغناطيسيًا يضاهي أو حتى يتجاوز قوة المجال المغناطيسي للأرض. كانت هذه الفكرة مغرية، حيث أنها كانت تشير إلى دينامو قمري قوي في الماضي السحيق. ومن ناحية أخرى، جادل المنظرون بأن مثل هذا السيناريو كان مستحيلًا من الناحية الفيزيائية. فلب القمر صغير للغاية، لا يتجاوز سُبع إجمالي نصف قطر القمر، وهو حجم اعتبره الكثيرون صغيرًا جدًا لتوليد دينامو قوي يمكن أن ينتج مجالًا مغناطيسيًا بهذه الشدة. بدا أن كلا الجانبين يمتلك أدلة دامغة، مما خلق تناقضًا علميًا محيرًا.

لقد أخذت بعثات أبولو التاريخية، والتي جسدت ذروة الإنجاز البشري في استكشاف الفضاء، رواد الفضاء مثل نيل أرمسترونج ومايكل كولينز وإدوين ألدرين جونيور (كما يظهر في الصورة المرفقة لرواد أبولو 11) إلى مناطق محددة على سطح القمر. وقد كانت هذه الرحلات موجهة بشكل استراتيجي إلى مناطق تعرف باسم بازلتات ماريا، وهي السهول المظلمة والمسطحة التي تمنح القمر مظهره المرقع المألوف. هذه المناطق، بسبب استقرارها الجيولوجي وسهولة هبوط المركبات عليها، كانت خيارًا طبيعيًا لمواقع الهبوط. ولكن، كما سيكتشف الباحثون لاحقًا، هذا الاختيار أدى إلى تحيز غير مقصود في العينات التي تم جمعها.

الآن، يقدم باحثون من جامعة أكسفورد، بقيادة الأستاذة المشاركة كلير نيكولز، حلاً مقنعًا لهذا اللغز القديم. من خلال تحليل التركيب الكيميائي لبازلتات ماريا، اكتشف الفريق نمطًا لافتًا للنظر. أظهرت كل عينة قمرية سجلت مجالًا مغناطيسيًا قويًا احتواءها على كميات كبيرة من التيتانيوم. وعلى النقيض من ذلك، فإن كل عينة تحتوي على أقل من ستة بالمائة من التيتانيوم بالوزن ارتبطت بمجال مغناطيسي ضعيف. كان هذا الارتباط واضحًا ومتسقًا عبر مجموعة البيانات بأكملها، مما يوفر رابطًا حاسمًا بين التركيب الكيميائي للقمر وتاريخه المغناطيسي.

توضح هذه النتائج أن التاريخ المغناطيسي للقمر لم يكن ثابتًا ومستمرًا كما أشارت عقود من تحليل أبولو. بدلاً من ذلك، وعلى مدى الغالبية العظمى من تاريخه، كان للقمر مجال مغناطيسي ضعيف، تمامًا كما اشتبه المنظرون. ولكن في بعض الأحيان، حدث شيء غير عادي في أعماق القمر. فقد ذابت المواد الغنية بالتيتانيوم عند الحدود بين لب القمر ووشاحه، مما أدى إلى شحن دينامو القمر مؤقتًا وتوليد مجال مغناطيسي تجاوز لفترة وجيزة حتى مجال الأرض. كانت هذه النوبات، كما أوضحت الأستاذة نيكولز، قصيرة بشكل استثنائي، ربما لا تزيد عن 5000 عام، وربما لا تتعدى بضعة عقود فقط.

هذا الاكتشاف يحل التناقض الأساسي: عينات أبولو لم تكن ممثلة لتاريخ القمر بأكمله. نظرًا لأن رواد الفضاء هبطوا بشكل متكرر في مناطق الماريا الغنية بالتيتانيوم، فقد جمعوا عينات متحيزة دون علمهم. شبه الأستاذ المشارك جون ويد، المؤلف المشارك للدراسة، هذا التحيز بموقف افتراضي حيث يهبط فضائيون على الأرض ست مرات فقط ويختارون مناطق مسطحة للهبوط، مما قد يؤدي بهم إلى استنتاج خاطئ حول كوكبنا. لولا هذا التحيز في أخذ العينات، لكان العلماء قد استنتجوا على الأرجح أن القمر كان يمتلك دائمًا مجالًا مغناطيسيًا ضعيفًا، مما كان سيؤدي إلى تفويت هذا الفصل المهم من تاريخ القمر المبكر.

إن هذا البحث يذكرنا بحدود معرفتنا وكيف أن الصدفة في مكان الهبوط يمكن أن تشكل فهمنا للكون. الخبر السار هو أن هناك فرصة أخرى تلوح في الأفق. يستعد برنامج أرتميس لإعادة البشر إلى القمر، ولكن هذه المرة إلى مناطق مختلفة ذات جيولوجيا متنوعة. وقد أشار الدكتور سيمون ستيفنسون، المؤلف المشارك، إلى أن الفريق يمكنه الآن التنبؤ بأنواع الصخور التي ستحافظ على قوى المجال المغناطيسي المختلفة، مما يعني أن الجيل القادم من العينات يمكن أن يختبر نموذج أكسفورد مباشرة، مما يفتح آفاقًا جديدة لفهم تاريخ القمر المعقد.

الكلمات الدلالية: # القمر # المجال المغناطيسي # صخور أبولو # التيتانيوم # جامعة أكسفورد # برنامج أرتميس # علم الفلك # استكشاف الفضاء