إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
--° القاهرة

الأسرة في الإسلام: حصن منيع ضد التفكك في وجه التحديات المعاصرة

خبيرة فقه إسلامي تكشف كيف حصّنت الشريعة الأسرة كـ 'نواة للمج
استمع للخبر عبد الفتاح يوسف 2026-03-18 14:58 9
الأسرة في الإسلام: حصن منيع ضد التفكك في وجه التحديات المعاصرة

تُعد الأسرة في المنظور الإسلامي الوحدة الأساسية التي تحتضن الفرد وتقيم المجتمع، فصلاح الأخير مرهون بصلاح أفراده وترابط نواته. ولهذا، أولت الشريعة الإسلامية اهتمامًا بالغًا بتفاصيل الحياة الأسرية، مقدمةً منظومة متكاملة من الأحكام والتشريعات التي تهدف إلى تحصين هذه النواة من عوامل التفكك، وذلك وفقًا لما أوضحته أستاذة الفقه الإسلامي وأصوله، الدكتورة ميادة الحسن.

الأسس الشرعية لبناء أسرة قوية

أجمل الشرع الإسلامي في كثير من الأمور الدنيوية، لكنه فصّل على نحو واضح في حقوق الزوج والزوجة والأولاد، بدءًا من معايير اختيار شريك الحياة. وفي هذا السياق، أكدت الدكتورة ميادة الحسن، في حلقة من برنامج "الشريعة والحياة"، أن الدين قدم معيار "الدين" في اختيار الشريك، مستشهدة بتوجيه النبي محمد صلى الله عليه وسلم بالزواج من ذات الدين، وكذلك نصيحته بقبول من تُرضى دينه وخلقه. هذا التوجيه النبوي يشدد على ولاة أمر الفتاة بضرورة التحقق من عوامل تحقق الرضا وتضمن حسن النكاح، مثل التوافق الديني والنفسي والاجتماعي، وهو ما يضمن بناء عقد زواج سليم وأسرة مستقرة.

لقد تناولت آيات مفصلة في القرآن الكريم حقوق الزوج والزوجة والطلاق والمعاشرة بالمعروف والقوامة، لتكون هذه الأحكام بمثابة محضن آمن للفرد، يمكنه من خلاله القيام بأمور دينه ودنياه في بيئة مستقرة وداعمة. فالأصل في العلاقة الزوجية، كما توضح الدكتورة الحسن، أن الرجل والمرأة هما جناحا الأسرة، وعليهما الإلمام بثقافة الزواج لا لمعرفة الحقوق فحسب، بل لمعرفة كيفية التعايش وتعزيز المودة والرحمة بينهما.

تحديات العصر الحديث وتهديد استقرار الأسرة

بالرغم من هذه الأسس المتينة، تواجه الأسرة المسلمة في عصرنا الحالي تحديات جمة. فقد أدى خضوع المجتمعات المسلمة للثقافة العابرة للقارات إلى تقديس الجسد والمال، مما أحدث خللاً في منظومة القيم التي جعلتها الشريعة الإسلامية أساسًا لقيام الأسرة الصحيحة. وتضيف الدكتورة الحسن أن الاضطرابات السياسية والاجتماعية، كالنزوح والبطالة، دفعت كثيرًا من الشباب والفتيات للزواج بدافع الحصول على المال فقط. ورغم أن هذا الدافع قد لا يكون مخالفًا للشرع، إلا أنه ينشئ حياة غير مستقرة ويزيد من حالات الشقاق والطلاق وتشرذم الأطفال، حيث يفتقر الزواج إلى الأساس الحقيقي القائم على المودة والرحمة.

مفاتيح الاستقرار: التفاهم، المودة، والتغافل

لضمان استقرار الأسرة، تؤكد الدكتورة الحسن على أهمية وضع كل طرف شروطه قبل الزواج، إن كانت له شروط تتعلق بالعمل أو التعليم أو التشارك في النفقات، لتجنب التعسف في استخدام الحقوق الشرعية لاحقًا. كما تشير إلى أن الدين ترك الحقوق اليومية للزوج والزوجة لهما، ولم يجعل للفقهاء دورًا فيها إلا في حالات الشقاق، بل وتقدمت حقوق المرأة على الرجل في الفقه حفظًا لحقها.

وفي سياق التعامل مع التحديات، تنتقد الدكتورة الحسن بعض الاشتراطات التي تسعى إليها بعض الحركات النسوية، والتي قد تخرج المرأة من دفء بيتها إلى أتون سوق العمل دون مراعاة لتوازن الأدوار، مشيرة إلى أن الإسلام كرم المرأة وحفظ حقوقها كطرف أضعف، لكن بعض الأفكار النسوية قد تضيف أباطيل تفسد على المرأة نفسها أو بيتها.

ويقدم النبي صلى الله عليه وسلم قدوة عملية في الترفق بالزوجة، حيث تحدثت أمهات المؤمنين عن خدمته لهن ومساعدتهن في أمور بيته، ليكون بذلك خير قدوة لأمته. وتنصح الدكتورة الحسن الرجل بأن يعرف احتياجات زوجته، وعلى المرأة أن تعرف احتياجات زوجها، لتجنب ميل أحدهما على الآخر وانهيار الأسرة. وتشدد في هذا الصدد على نصيحة الإمام أحمد: "تسعة أعشار الشريعة في التغافل"، والمقصود به إحسان النية وتجاوز الأخطاء البسيطة لضمان استمرار الحياة الزوجية، ما لم يكن في ذلك ضرر بالأسرة.

القوامة والطلاق: ضوابط شرعية لحماية الأسرة

أما عن القوامة التي أعطاها الله للرجل، فتوضح الدكتورة الحسن أنها تعني جزءًا منها مسؤوليته عن إيصال أسرته إلى الغرض الذي أراده الله منها. وقد ذهب بعض الفقهاء إلى جواز تفويض الزوج زوجته في قوامته إذا رأى منها حكمة في إدارة أمور البيت، ما دام ذلك يحقق الغرض الشرعي.

وفي أصعب الظروف، جعل الله تعالى الطلاق دواء أخيرًا، شأنه شأن الكي في الجرح، لكنه استبقه بأمور ضرورية منها النقاش والبحث المشترك عن ما يرضيهما، ثم التحكيم الخارجي للإصلاح بينهما، قبل أن يفك رباط الأسرة. وحتى عند اتخاذ قرار الطلاق، أعطى الله فسحة من الوقت للتأكد من أنه القرار الصحيح، فلا يقع الطلاق مثلاً خلال مدة حيض الزوجة أو نفاسها، لأنهما قد يسببان النفور. وتؤكد الدكتورة الحسن أن المدة الشرعية للطلاق الصحيح هي 21 يومًا من الطهر لم يتماس فيها الزوجان، لأن هذا دليل على النفور الحقيقي، مما يضمن اتخاذ قرار مدروس ومسؤول.

# الأسرة في الإسلام # تفكك الأسرة # حقوق الزوجين # اختيار الشريك # الشريعة والحياة # الدكتورة ميادة الحسن # استقرار الأسرة # الطلاق في الإسلام # التغافل # القوامة
اقرأ هذا الخبر