إخباري
السبت ١٨ يوليو ٢٠٢٦ | السبت، ٤ صفر ١٤٤٨ هـ
عاجل

بايا، طفلة الفن الجزائري المعجزة: معرض استعادي مذهل في الجامع الكبير بباريس

معرض «وكل شيء يصبح ألواناً» يحتفي بالأعمال الخالدة لفنانة ذا

بايا، طفلة الفن الجزائري المعجزة: معرض استعادي مذهل في الجامع الكبير بباريس
عبد الفتاح يوسف
2026-02-15 12:24
14

الجزائر - وكالة أنباء إخباري

بايا، طفلة الفن الجزائري المعجزة: معرض استعادي مذهل في الجامع الكبير بباريس

تنبض باريس بإيقاع ألوان بايا محيي الدين، الفنانة الجزائرية التي طبعت عبقريتها المبكرة تاريخ الفن في القرن العشرين. يقدم معرض «وكل شيء يصبح ألواناً»، المعروض حالياً في الجامع الكبير بباريس، انغماساً عميقاً في عالم هذه الرسامة الاستثنائية الحالم. هذا المعرض الاستعادي، الذي ينظمه ملتقى المغرب العربي، ليس مجرد احتفال فني؛ بل هو أيضاً دعوة لإعادة اكتشاف شخصية لا يزال تأثيرها قوياً في المشهد الثقافي المعاصر.

ولدت بايا واسمها الأصلي فاطمة حداد عام 1931 في برج الكيفان بالجزائر، وتيتمت في سن مبكرة جداً. في هذا السياق الهش، اكتشف الفنان الفرنسي جان بييرساك موهبتها بالصدفة تقريباً. لقد أخذها تحت جناحه، معترفاً فيها بقوة إبداعية خام، غير مقيدة بالتقاليد الأكاديمية. في سن السادسة عشرة، في عام 1947، عرضت بايا أعمالها في باريس، وهو إنجاز غير عادي لشابة من أصلها وعصرها. لوحاتها، المتوهجة بالزخارف والألوان، تصور عالماً مسحوراً، يسكنه نساء مهيبات، وطيور خرافية، ومخلوقات هجينة، ونباتات مورقة، وكلها تحمل طابعاً فريداً.

كان استقبال النقاد والجمهور فورياً وحماسياً. شخصيات بارزة في الطليعة الفنية، مثل أندريه بريتون، رائد السريالية، انبهرت بأعمالها. كتب بريتون مقدمة كتالوج معرضها، ورأى فيها تجسيداً للسريالية والتلقائية، تعبيراً نقياً ومتحرراً عن اللاوعي. وصفها بأنها فنانة «لا ترتبط بأحد» وأن عملها «لا يخلو من تذكير بأجمل القصص الخيالية». لم يتوقف الإعجاب عند هذا الحد: بابلو بيكاسو نفسه، متأثراً بالقوة التعبيرية لبايا، دعاها للعمل بجانبه في ورشته في فالوريس عام 1948، حيث جربت السيراميك، تاركة بصمتها على هذا الوسيط الجديد.

ما يجعل أعمال بايا فريدة من نوعها هو قدرتها على دمج الفن الحديث مع أصالة ثقافية عميقة. جذورها القبائلية، بعيداً عن كونها مجرد خلفية، تشكل القلب النابض لإبداعها. تتجلى ثراء الزخارف الأمازيغية، ورمزية الألوان الزاهية، والروايات الشفوية والتقاليد المغربية القديمة في كل خط، وفي كل تكوين. لم تسع بايا إلى تقليد الفن الغربي؛ بل اخترعت لغة بصرية عالمية من تراثها الخاص، مقدمة منظوراً جديداً ومتحرراً للفن والهوية.

يسلط المعرض الحالي، المصحوب بمؤلفات مرجعية مثل «بايا أو الافتتاح الكبير» لأليس كابلان، الضوء ليس فقط على المسار الاستثنائي للفنانة، بل أيضاً على أهمية دورها في الاعتراف بالفن الجزائري على الساحة الدولية. تساهم كابلان، من خلال سيرتها الذاتية التفصيلية، في إعادة تقييم مكانة بايا، التي غالباً ما كانت تصنف ضمن فئة «الفنانة الساذجة»، لإعادة وضعها كأحد الرواد، وهي صاحبة رؤية تمكنت من تجاوز التصنيفات. عملها هو شهادة على المرونة والخيال الجامح والارتباط الذي لا يتزعزع بأرضها وثقافتها.

بالإضافة إلى مسارها الفردي، ترمز بايا إلى ظهور جيل جديد من الفنانين المغاربيين الذين سعوا، بعد الاستقلال، إلى تأكيد هوية فنية خاصة بهم، متحررين من التأثيرات الاستعمارية. فنها، المبهج والإنساني بعمق، يوفر هروباً من قسوة العالم، وملجأ للجمال والأمل. الجامع الكبير بباريس، وهو مكان للروحانية والحوار بين الثقافات، يثبت أنه إطار مثالي لاستضافة هذا الاحتفال بالألوان والحياة، وبالتالي تعزيز الجسور بين الثقافات والأجيال.

باختصار، معرض «وكل شيء يصبح ألواناً» هو فرصة ثمينة للغوص في عالم بايا النابض بالحياة، لفهم كيف تمكنت شابة يتيمة من الجزائر، بقوة موهبتها وخيالها وحدهما، من غزو قلوب العظماء وترك إرث فني ذي قيمة لا تقدر بثمن. عملها يذكرنا باستمرار بقوة الإبداع، وأهمية الجذور، وقدرة الفن على تغيير نظرتنا للعالم.

الكلمات الدلالية: # بايا محيي الدين، فن جزائري، معرض باريس، الجامع الكبير، أندريه بريتون، بابلو بيكاسو، فن قبائلي، فن حديث، أليس كابلان