القاهرة - وكالة أنباء إخباري
بدأت منصة «ثريدز»، التي تملكها شركة «ميتا»، في اختبار ميزة مبتكرة من شأنها أن تعيد تعريف طريقة تفاعل المستخدمين مع المحتوى والآخرين، وذلك بتسهيل بدء المحادثات الخاصة (Direct Messages) مباشرة من المنشورات العلنية. هذه الخطوة، التي تُعد استراتيجية ومهمة في مسار تطور المنصة، تهدف إلى جسر الهوة بين التفاعل العام والخاص، مما يمنح المستخدمين مرونة أكبر في التواصل. تتجلى الميزة الجديدة في تحويل عبارات مثل “DM me” أو “message me” داخل نص المنشور إلى روابط تفاعلية قابلة للنقر، تقود المستخدمين فوراً إلى واجهة المراسلة الخاصة مع صاحب المنشور.
تخضع هذه الميزة حاليًا للتجربة في نطاق محدود يشمل الولايات المتحدة وكندا، مما يسمح لـ «ثريدز» بتقييم فعاليتها وجمع الملاحظات اللازمة قبل طرحها عالميًا. إن الآلية بسيطة وفعالة؛ فبمجرد أن يكتب المستخدم إحدى العبارات المحددة في منشوره، تتحول هذه العبارة تلقائيًا إلى رابط تشعبي. وعندما ينقر مستخدم آخر على هذا الرابط، يُوجّه مباشرة إلى نافذة محادثة خاصة مع صاحب المنشور. يمنح هذا التحديث أصحاب الحسابات تحكمًا كاملاً في إعدادات الخصوصية، حيث يمكنهم تحديد من يمكنه إرسال الرسائل إليهم، مع إمكانية استثناء طلبات الرسائل من غير المتابعين إذا كانت رغبتهم في حصر التفاعل ضمن دوائرهم المقربة.
اقرأ أيضاً
- عون وترامب يبحثان استقرار لبنان والمنطقة: خطة لتفكيك ترسانة حزب الله مقابل انسحاب إسرائيلي
- فرنسا تطالب إيران بتحقيق شامل في حادثة دبلوماسية وتؤكد على ضرورة احترام الأعراف الدولية
- لقاء تاريخي في البيت الأبيض: ترامب وعون يبحثان العلاقات الثنائية وسط أجواء ودية
- ترامب يمهد للعبث بنتائج انتخابات التجديد النصفي بمزاعم غير مؤكدة
- تصعيد خطير: أمريكا تواصل ضرباتها وإيران تستهدف قواعد أمريكية بالمنطقة
لا تأتي هذه الميزة من فراغ، بل هي تجسيد واضح لتوجه عالمي متزايد في عالم شبكات التواصل الاجتماعي، وهو التحول من النشر العلني نحو مساحات أكثر خصوصية وتفاعلاً مباشرًا. لقد شهدت السنوات الأخيرة تراجعًا ملحوظًا في معدلات النشر على الصفحات الرئيسية (الفيسبوك، الإنستجرام، وحتى «إكس»)، في مقابل ازدياد هائل في النشاط عبر الرسائل الخاصة والقصص ذات العمر الزمني المحدود. هذا التوجه يعكس رغبة المستخدمين في التواصل بشكل أكثر حميمية، بعيدًا عن ضجيج الجدل العام والتدقيق المفرط الذي غالبًا ما يصاحب المنشورات العلنية.
يؤكد آدم موسيري، رئيس إنستجرام، مرارًا على هذا التحول السلوكي، مشددًا على أن المستخدمين يفضلون التفاعل عبر القصص والرسائل الخاصة أكثر من النشر العام. يعود ذلك إلى عدة عوامل؛ أبرزها تزايد الرغبة في الحفاظ على الخصوصية وتجنب الدخول في جدالات لا طائل منها على الملأ. يبحث المزيد من المستخدمين عن مساحات مغلقة للتفاعل ومشاركة المحتوى مع دوائرهم الموثوقة، حيث يشعرون بحرية أكبر في التعبير عن أنفسهم دون الخوف من الأحكام أو الانتقادات غير البناءة. هذا المنحى يعزز من مفهوم «القبائل الرقمية» أو المجتمعات المصغرة التي تتفاعل على أسس من الثقة والاهتمام المشترك.
إن تحديث «ثريدز» الأخير يمثل استجابة ذكية وضرورية لهذا التحول السلوكي العميق. كانت المنصة قد أضافت ميزة الرسائل الخاصة في يوليو الماضي، مما مكنها من مواكبة احتياجات المستخدمين الأساسية. ومع إطلاق الميزة الجديدة، تذهب «ثريدز» خطوة أبعد في دمج هذه التفاعلات الخاصة ضمن تجربة الاستخدام اليومية. هذا التكامل يفتح آفاقًا جديدة للمبدعين وأصحاب الأعمال للتواصل بشكل أكثر فعالية ومباشرة مع جماهيرهم وعملائهم، مما يعزز من الولاء ويوفر قنوات دعم وتفاعل شخصية.
في سياق المنافسة الشرسة بين منصات التواصل الاجتماعي، وخاصة مع «إكس» (تويتر سابقًا)، تسعى «ثريدز» لتقديم تجربة متفوقة تركز على الجانب الإنساني والخصوصي للتفاعل. ورغم أن «ثريدز» قد تفوقت على «إكس» في بعض مؤشرات الاستخدام على الهواتف الذكية، إلا أن الفجوة لا تزال واسعة في جوانب أخرى. لذا، فإن التركيز على ميزات مثل الرسائل المباشرة يعزز من جاذبية المنصة لمن يبحث عن بديل أكثر هدوءًا وتركيزًا على التواصل الهادف، بعيدًا عن الفوضى التي قد تشوب بعض المنصات الأخرى.
على المدى الطويل، يمكن أن تكون لهذه الميزة تداعيات كبيرة على كيفية بناء المجتمعات والتفاعل داخل الفضاء الرقمي. فمن خلال تسهيل التواصل الخاص، يمكن لـ «ثريدز» أن تصبح ملاذًا للمحادثات الأكثر عمقًا وأصالة، مما يعزز من قيمة المحتوى المنشور ويشجع على التفاعلات البناءة. ولكن، سيتعين على المنصة أيضًا أن تتصدى لتحديات محتملة مثل الرسائل غير المرغوب فيها (السبام) أو إساءة استخدام الميزة، من خلال آليات فعالة للفلترة والإبلاغ، لضمان بيئة آمنة وإيجابية لمستخدميها. هذا التحديث يؤكد أن مستقبل التفاعل الرقمي يتجه نحو مساحات أكثر تركيزًا وخصوصية، وأن المنصات التي تتبنى هذا التوجه ستكون هي الرائدة في تشكيل المشهد الاجتماعي الرقمي القادم.