في خضم تصاعد التوترات الأمنية، يواجه المشهد الإعلامي الإسرائيلي حالة من التخبط العميق، إذ تتكشف معركة طاحنة بين آلة الرقابة العسكرية الصارمة ومنصات التواصل الاجتماعي التي أصبحت تدير وعي الجبهة الداخلية. فبينما تتدفق المعلومات الأمنية الحساسة عبر غرف القيادة المحصنة، تجد طريقها بسرعة إلى هواتف مئات الآلاف من الإسرائيليين عبر تطبيقات مثل «تليغرام» و«واتساب»، حتى قبل أن تدوّي صفارات الإنذار الرسمية.
تليغرام يكسر حاجز الرقابة: مصدر المعلومات الأول
لقد كسر تطبيق «تليغرام» ومجموعات «واتساب» الاحتكار الذي كانت تفرضه قيادة الجبهة الداخلية على المعلومات، ليصبحا المصدر الأول للإسرائيليين لمعرفة مواقع سقوط الصواريخ. يكشف تحقيق نشره موقع «شومريم» الإسرائيلي عن ثغرات في نظام «شوعال» (نظام القيادة والسيطرة في الجبهة الداخلية) الذي يربط بين السلطات المحلية وقوات الأمن. ففي الوقت الذي ينتظر فيه الجيش التأكد الكامل قبل إطلاق صفارات الإنذار، يقوم متطوعون وعاملون في غرف الطوارئ بتسريب المعلومات الأولية عن مسار الصواريخ إلى مجموعات مفتوحة يديرها أفراد عاديون.
من هؤلاء، الشاب الحريدي «ع» الذي يدير مجموعة واتساب تضم آلاف المشتركين وتستند إلى تسريبات «شوعال»، والفتى نهوراي مردخاي (16 عامًا) من كريات شمونة، الذي يدير قناة تليغرام تضم أكثر من 115 ألف متابع، وقد وصل به الأمر إلى استثمار المنصة تجاريًا عبر بيع إعلانات تظهر للمشتركين لحظة دوي الانفجارات. لا يقتصر المشهد على تسريب مسارات الصواريخ، بل يشهد الفضاء الرقمي الإسرائيلي انتشار عشرات القنوات التي تتجاوز قيود الرقابة العسكرية بكل سهولة، وتتسابق لنشر المعلومات الحساسة وبث الصور والمقاطع المرئية التي توثق الأحداث الأمنية فور وقوعها.
اقرأ أيضاً
- ترامب يمهد للعبث بنتائج انتخابات التجديد النصفي بمزاعم غير مؤكدة
- تصعيد خطير: أمريكا تواصل ضرباتها وإيران تستهدف قواعد أمريكية بالمنطقة
- إسرائيل تعلن عن خطط استيطانية جديدة في غزة وتمويل ضخم بالضفة الغربية
- حرائق الغابات تتفاقم عالمياً وتجبر رجال الإطفاء على خيارات صعبة
- فيلم هندي يكشف جرائم البنجاب يحظر بقرار حكومي
يبرز التحدي الأكبر للمؤسسة العسكرية في قيام هذه المجموعات برصد والتبليغ عن حركة الطيران المروحي المخصص لإجلاء الجنود المصابين من جبهات القتال، وهو ما يكشف للجمهور حجم الخسائر والإصابات في صفوف الجيش قبل صدور أي بيان رسمي، ويحول مساعي الرقيب لفرض التعتيم إلى مهمة شبه مستحيلة.
إعلام القطيع: تبعية مطلقة للرواية الرسمية
على النقيض من ديناميكية الفضاء الرقمي، تقف القنوات التلفزيونية الإسرائيلية الرسمية في طابور طويل لتقديم فروض الطاعة للرقابة العسكرية، مباهية بخضوعها التام لمقص الرقيب. يرى هيدي نيغيف، المدير العام للحركة من أجل حرية المعلومات في إسرائيل، أن المشهد الحالي لرقابة المؤسسة العسكرية لا يمثل سوى قمة جبل الجليد، مؤكدًا أن ما يظهر للجمهور من حجب للمعلومات يعكس جزءًا بسيطًا مما يجري خلف الكواليس، حيث تحولت التغطية إلى أداة لفرض التعتيم الشامل على وعي الجبهة الداخلية وتشكيل الحقائق بما يتوافق مع الرواية الرسمية.
تتعمق الأزمة مع ظاهرة «الرقابة الذاتية» التي تهدد العمل الصحفي في إسرائيل. فإلى جانب إلزام الصحفيين بتقديم تقاريرهم للرقيب العسكري، قرر الكثير منهم ممارسة مقص الرقابة على أنفسهم، وحجب مئات التقارير خشية الصدام مع المؤسسة العسكرية. هذا يعني أن الإحصاءات الرسمية للأخبار الممنوعة تعكس فقط المواد التي اعتقد الصحفيون أنها قابلة للنشر ورفضها الرقيب، متجاهلة كميات هائلة من الأخبار التي وُئِدت في غرف التحرير.
ويحذر نيغيف من استغلال حالة الطوارئ لتحويل الرقابة من أداة أمنية لحماية الأرواح إلى درع سياسي يخدم مصالح صناع القرار، حيث تتدخل الرقابة لمنع نشر تقارير تتعلق برئيس الوزراء الإسرائيلي، مما يثبت أنها تتجاوز الخطوط الأمنية لخدمة احتياجات سياسية وحزبية، وهو مسار يقود إسرائيل بخطى متسارعة نحو التحول إلى نظام سلطوي يقمع حرية الوصول إلى المعلومات.
ينتقد الكاتب غاي رونين تفاخر القنوات الكبرى بتبعيتها، حيث أصبحت عبارة «بموافقة الرقابة» أكثر جملة تتكرر على الشاشات. ويشير إلى أن الإعلام الإسرائيلي يتصرف وكأنه يعتذر عن ممارسة دوره الطبيعي، وبدلًا من الدفاع عن حق الجمهور في المعرفة، فإنه يباهي بطاعته العمياء، وكأنه تحول إلى قسم ملحق بجهاز «أمن الميدان».
تتفق عنات سارغوستي، مسؤولة حرية الصحافة في نقابة الصحفيين، مع الكاتب جدعون ليفي في أن الصحافة الإسرائيلية «سقطت دون قتال»، مشيرة إلى أن القنوات تحولت إلى مجرد أدوات تردد رسائل المتحدث باسم الجيش دون أي فحص أو تدقيق. وتؤكد سارغوستي أن هذه التغطية التي تتبنى رواية الجيش الإسرائيلي بشكل مطلق وترفض طرح الأسئلة الصعبة، لا تمثل ممارسة وطنية، بل هي «صحافة قطيع» خاضعة، تعجز عن أداء دورها الحقيقي في حماية الديمقراطية وحقوق الجمهور وقت الأزمات.
أخبار ذات صلة
إقصاء منهجي للمواطنين العرب: غياب عن الشاشات والملاجئ
إلى جانب التعتيم الرقابي، تبرز سياسة الإقصاء الممنهج للمواطنين العرب في إسرائيل (فلسطينيي 48) الذين يشكلون 18% من السكان. يكشف تقرير «مؤشر التمثيل» الذي أعده موقع «العين السابعة» وجمعية «سيكوي-أفق»، أرقامًا صادمة عن التغطية في أول 9 أيام من التصعيد. فمن بين 11515 مادة إخبارية بثت على القنوات والإذاعات المركزية، ظهر متحدثون عرب في 54 مادة فقط (بنسبة 0.5%). وكانت شبكة «القناة 12» -الأكثر مشاهدة- هي الأسوأ، حيث استضافت 4 متحدثين عرب فقط طوال تلك الفترة، وجميعهم رجال يمثلون أذرع المؤسسة العسكرية أو الشرطية.
يمتد هذا التهميش الإعلامي ليغطي على كارثة ميدانية، حيث يعيش 41% من المواطنين العرب في إسرائيل دون أي مساحات محصنة. ورغم بث 199 تقريرًا حول أزمة الملاجئ، خصصت القنوات 3 تقارير فقط للإشارة إلى أزمة البلدات العربية، متجاهلة تقارير مراقب الدولة التي تؤكد أن الملاجئ العامة في البلدات العربية شبه معدومة (37 ملجأ عامًا فقط من أصل 11775 ملجأ في كل إسرائيل). يخلص التقرير إلى أن هذا الإقصاء لا يعكس فقط تحيزًا إعلاميًا، بل يبرز فشلًا حكوميًا في توفير الحماية الأساسية لشريحة كبيرة من المواطنين.