الأربعاء، ١٤ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ / 26 أغسطس 2026 م 06:15 م بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

رحلة السرد: كيف شكلت التكنولوجيا حكايات البشر عبر التاريخ

كتاب 'قصة القصص' لكيفن آشتون يكشف عن التطور المذهل لفن الحكي
استمع للخبر رياضة عبد الفتاح يوسف 2026-02-19 11:06 49
رحلة السرد: كيف شكلت التكنولوجيا حكايات البشر عبر التاريخ

الشرق الأوسط - وكالة أنباء إخباري

رحلة السرد: كيف شكلت التكنولوجيا حكايات البشر عبر التاريخ

لقد شكلت التحولات التكنولوجية الكبرى الطريقة التي نروي بها القصص، لكنها لم تغير أبدًا حبنا العميق لها. من الحكايات التي تُروى حول النيران البدائية إلى انتشار الطباعة الميكانيكية، وصولاً إلى عصر الهواتف الذكية الذي يتيح انتشار القصص بسرعة البرق، تطور فن السرد باستمرار جنبًا إلى جنب مع التكنولوجيا. يستكشف كتاب كيفن آشتون 'قصة القصص: تاريخ المليون عام لفن بشري فريد' هذه الرحلة المذهلة، مقدمًا تحليلًا عميقًا لكيفية بقاء السرد جوهرًا للوجود البشري.

يستعرض آشتون، وهو خبير تكنولوجي، الفرضية الأساسية بأن أدمغتنا مبرمجة بطبيعتها للبحث عن القصص، حتى في أكثر الملاحظات عادية. ويستشهد بتجربة أجريت عام 1944 حيث طُلب من مشاركين مشاهدة فيلم قصير عن أشكال هندسية متحركة. والغالبية العظمى من المشاهدين نسجوا روايات معقدة تتضمن شخصيات ومشاعر وصراعات، مما يؤكد قدرة العقل البشري على فرض السرد على الواقع المجرد. هذه الحقيقة المركزية هي حجر الزاوية في استكشاف آشتون لتاريخ السرد.

يتتبع الكتاب، الذي يتسم باتساع نطاقه، قوسًا زمنيًا يبدأ من أقدم أشكال السرد. يبدأ الفصل الأول بوصف المشهد البدائي لأسلافنا يجلسون حول النيران، حيث كانت تتلاشى متطلبات العمل اليومي. في دفء وأمان هذه النيران، كانوا يتواصلون حول الأحداث التي يتذكرونها ويتخيلونها، من أماكن وأزمنة قريبة وبعيدة. وكما يصف آشتون، 'أو أنهم بدأوا في رواية القصص'. هذه اللحظات الجماعية لم تكن مجرد تبادل للمعلومات، بل كانت ميلادًا لفن السرد، الذي عزز الروابط الاجتماعية ونقل المعرفة عبر الأجيال.

تتوالى الفصول لتقدم دروسًا تاريخية متفرقة وحكايات غريبة عن طرق انتقال القصص من شخص لآخر، بالإضافة إلى أوصاف حيوية للتقنيات الثورية التي غيرت وجه السرد. من اختراع المطبعة، الذي أحدث ثورة في نشر المعرفة وسمح بانتشار القصص على نطاق واسع وغير مسبوق، إلى ظهور الكهرباء، التي مهدت الطريق لوسائل الإعلام الحديثة مثل الراديو والتلفزيون، وصولاً إلى منصات العصر الرقمي مثل فيسبوك. يوضح آشتون أن كل قفزة تكنولوجية لم تغير فقط أدوات السرد، بل أثرت أيضًا على طبيعة القصص نفسها وكيفية استقبالها.

يتميز آشتون بقدرته على استخلاص تفاصيل بارزة من السجلات التاريخية والدراسات العلمية وغيرها من المصادر. على سبيل المثال، يكشف عن حقيقة غريبة من منتصف القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة، حيث كانت صناعة الورق تعتمد على خرق القماش قبل استخدام لب الخشب. بعض هذه الخرق كانت تُجلب من مومياوات مصرية، وكانت تنبعث منها روائح كريهة. ويشير آشتون بذكاء إلى أن 'مطاحن الورق لم تكن تعترف دائمًا بأن 'خرقها المصرية' كانت قد لفت مومياوات، ربما خوفًا من إزعاج الجمهور الحساس'. هذه التفاصيل لا تضفي فقط لمسة من الغرابة على السرد، بل تبرز أيضًا التداخل غير المتوقع بين التكنولوجيا والتاريخ البشري.

على الرغم من أن المسار السردي للكتاب قد يبدو متقطعًا أحيانًا، حيث ينتقل من حكاية إلى أخرى دون خط ربط واضح، إلا أن المثابرة في القراءة تكشف عن تحول رمزي من 'الوهج البرتقالي الناعم لنيران الفصل الأول القديمة' إلى 'الضوء الأزرق القاسي لشاشات الهواتف الذكية'. هذا التحول البصري يلخص جوهر تحول السرد في العصر الرقمي. مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، 'انتقلنا من عالم كان فيه عدد قليل من الناس يروون القصص لعدد قليل من الناس، إلى عالم حيث يمكن للجميع رواية القصص للجميع'، كما يكتب آشتون. لقد وصل السرد (والاستماع) إلى ذروته، مما يفتح آفاقًا جديدة وفرصًا غير مسبوقة للمشاركة.

ومع ذلك، فإن تداعيات هذا التوسع ليست كلها إيجابية. يخصص آشتون جزءًا كبيرًا من تحليله لمخاطر العصر الرقمي، مشيرًا إلى انتشار المعلومات المضللة والمغلوطة حول قضايا مثل جائحة كوفيد-19 واللقاحات. ويوضح كيف ساهمت 'الأكاذيب الرقمية' في رفض البعض للتطعيم، مما أدى إلى المزيد من حالات الأمراض الشديدة والوفيات التي كان يمكن الوقاية منها. بالإضافة إلى ذلك، يحذر آشتون من قدرة الذكاء الاصطناعي التوليدي على إنشاء صور ومقاطع فيديو وتسجيلات صوتية واقعية مزيفة، مما يسهل نشر قصص تلاعبية تقدم الخيال كحقيقة. ويطرح سؤالًا مقلقًا: هل سيتمكن الأقوياء من 'إعادة الزمن ليقولوا أشياء لم يقولوها، ويلغوا أشياء قالوها؟' يجيب آشتون باحتمالية قوية 'نعم'، مؤكدًا أن المنصات الرقمية الشعبية 'لا تشكل الواقع على الإنترنت للمليارات فحسب، بل الواقع نفسه'.

في مواجهة هذه التحديات، يقدم آشتون حلًا: الاعتراف بأن عقولنا غالبًا ما تكون ساذجة. وهذا يعني أن اليقظة والشك والتواضع هي السبيل للمضي قدمًا. بينما يصف 'عصر الكراهية' الحالي، الذي يميز العدوانية على الإنترنت، بأنه خطوة إلى الوراء، فإنه يعتبره أيضًا 'رد فعل، انتكاسة، صرخة استياء، ثورة مضادة شجعها واستغلها الأقوياء'. ويؤكد أن هذا التفاعل يواجه عددًا لا يحصى من الروايات الأخرى. فانتشار القصص اليوم، كما يكتب آشتون، يحمل القدرة على إظهار 'الجمال والتنوع والمجد المتجانس للبشرية جمعاء'.

# تاريخ السرد، كيفن آشتون، تكنولوجيا، رواية القصص، الذكاء الاصطناعي، معلومات مضللة، وسائل التواصل الاجتماعي، الثقافة الرقمية، تطور السرد، قصة القصص
اقرأ هذا الخبر