الثلاثاء، ١١ ربيع الآخر ١٤٤٨ هـ / 22 سبتمبر 2026 م 08:11 م بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

رحيل الفنانة زينب السجيني.. مصر تفقد رائدة الفن التشكيلي ورؤيتها الفريدة

استمع للخبر رياضة عبد الفتاح يوسف 2026-04-08 00:43 18
رحيل الفنانة زينب السجيني.. مصر تفقد رائدة الفن التشكيلي ورؤيتها الفريدة

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

زينب السجيني.. مسيرة فنية امتدت لسبعة عقود

في خبرٍ أثلج صدور محبي الفن الأصيل، غيّب الموت اليوم، الفنانة التشكيلية المصرية الرائدة زينب السجيني عن عمر ناهز 96 عامًا. وبهذا الرحيل، تُطوى صفحة فنانة استثنائية، كان حضورها الإبداعي والأكاديمي ممتدًا عبر سبعة عقود، نجحت خلالها في تشكيل رؤيتها الخاصة للمرأة والطفولة والبيئة الشعبية المصرية، راسخةً بذلك مكانتها كواحدة من أبرز رواد الفن التشكيلي في مصر والعالم العربي.

وُلدت السجيني في القاهرة عام 1930، وترعرعت في أحياء القاهرة القديمة العريقة كـ«الظاهر» و«الحسين» و«الجمالية». هذا التكوين البيئي المبكر شكّل وجدانها البصري، مانحًا إياها الحس العميق بملامح المدينة العتيقة، وحواريها الأصيلة، وعمارتها الإسلامية المميزة، وصُناعها الشعبيين الذين ألهموا إبداعها. وكانت الفنانة كثيرًا ما تستعيد تلك السنوات بوضوح، واصفةً طفولتها بين تلك الأحياء بأنها كانت «فصلاً مفتوحًا على الجمال والأصالة». كانت تتذكر مرورها بمنطقة النحاسين ومشاهدة الصُناع وهم يغنون أثناء العمل، وزيارة شارع المعز والتأمل في عمارته الإسلامية، والتقاط وجوه الناس البسيطة التي شكلت مصادر إلهامها الأولى.

مسيرة تعليمية وأكاديمية متميزة

تلقّت الفنانة المصرية تعليمها الفني في كلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان، حيث نالت بكالوريوس قسم الزخرفة عام 1956. واصلت مسيرتها الأكاديمية بالدراسة في المعهد العالي للتربية الفنية، ثم توّجت رحلتها العلمية بحصولها على درجة الدكتوراه في فلسفة التربية الفنية عام 1978. هذا الجمع الفريد بين الممارسة الفنية والتدريس جعل منها شخصية مؤثرة، ساهمت في تشكيل وعي أجيال من الفنانين الشباب، تاركةً بصمة لا تُمحى في مسيرة التعليم الفني.

نعي رسمي وتقييم لمسيرتها

نعت الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، الفنانة الراحلة مؤكدةً أن «مصر فقدت قيمة فنية وإنسانية نادرة، وصوتاً مخلصاً للجمال»، مشيرةً إلى أن عطاء السجيني الأكاديمي والفني قد «أسهم في صياغة رؤية جمالية امتدت لأجيال متعاقبة». من جانبه، وصف وزير الثقافة الأسبق، الفنان فاروق حسني، رحيلها بأنه «خسارة كبيرة للمشهد الفني»، مستعيدًا أثرها البارز في إثراء الحركة التشكيلية المصرية.

ولم تكن «قاعة الزمالك للفن» مجرد مكان لعرض أعمالها، بل كانت جزءًا لا يتجزأ من تاريخها الفني. فقد رافقت القاعة في محطاتها الكبرى على مدار 36 عامًا، وقدمت عبر جدرانها أعمالاً أصبحت علامات فارقة في تاريخ الفن المعاصر. وفي نعيها، وصفت القاعة زينب السجيني بأنها «قيمة فنية وإنسانية نادرة؛ حملت في أعمالها نبض الحياة وصدق التجربة، وامتد عطاؤها لأجيال من الفنانين، لقد تركت إرثًا خالداً سيبقى شاهداً على عمق تجربتها».

المرأة والطفولة.. ثيمة مركزية في أعمال السجيني

لطالما كان محور لقاءاتها في قاعة الزمالك الفنية هو السؤال المتكرر حول تركيزها على المرأة والطفولة، وغياب شبه تام للرجل في أعمالها. كانت تجيب دائمًا بأن المرأة بالنسبة لها هي «مرآة الروح ومخزن الحنان»، وأن تركيزها عليها «ليس موقفًا ضد الرجل بل هو انحياز للفطرة الإنسانية في أن الأم والطفلة هما جذور الحياة». وأعربت عن رغبتها في دعم المرأة العربية التي رأت أن «جانبًا كبيرًا من حقوقها مُهدَر».

انطلقت رؤيتها للمرأة والطفولة من الأوساط الشعبية، مستلهمةً من عائلتها. فقد استعادت تأثير عمها، النحات الكبير جمال السجيني، الذي تعلمت منه الصبر على تشكيل الوجوه الإنسانية، وزوجها الفنان عبد الرحمن النشار، الذي كان مصدر دعم وإلهام لها. ارتبط مشروع زينب السجيني الفني بفكرة الأمومة كقيمة وجودية لا تخضع للزمن. فمنذ خمسينيات القرن الماضي، كادت لوحاتها لا تخلو من حضور المرأة أو الفتاة الصغيرة في لحظات مختلفة، تتراوح بين اللعب، وتصفيف الشعر، والاستعداد للمدرسة، والركض في الحارة، أو التنزه في الحدائق.

وعن سر عدم مللها من هذا العالم، أوضحت أن ذلك يعود إلى «قدرة اللوحات على دفع المتلقي إلى أعماق تلك الشخصيات النقية»، مؤكدةً أن «الاختلاف في الانفعالات والملابس والألوان يجعل العوالم متجددة مهما تكررت ثيمة الأمومة». أما عن تكرار الرموز الشعبية كالعروسة القماش، والحمام، والبيوت القديمة، فقد وصفتها بأنها «ليست رموزًا مبعثرة، بل هي نسيج متكامل يمثل مصر كما رأتها وانصهرت في داخلها».

كانت تؤمن بأن الفن استعادة للروح، وأن لحظة الإمساك بالفرشاة هي «محاولة لالتقاط جوهر الإنسان قبل ملامحه». وربما لهذا السبب، حافظ عالمها الفني على قدر كبير من العفوية والحميمية، حتى في أكثر لحظاته شاعرية. برحيل زينب السجيني، يفقد الفن التشكيلي واحدة من أبرز أصواته النسائية وأكثرها إخلاصًا للتجربة الإنسانية، لكنها تترك وراءها إرثًا غنيًا من الأعمال، إرثًا سيظل يؤكد أن الفن، حين يكون صادقًا، يمكنه أن يظل حيًا رغم غياب أصحابه.

# زينب السجيني، فن تشكيلي، مصر، فناني مصر، نساء في الفن، المرأة في الفن، الطفولة، الفن الشعبي، القاهرة، فن، ثقافة
اقرأ هذا الخبر