الأربعاء، ٧ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ / 19 أغسطس 2026 م 08:04 ص بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

سحب مخزونات النفط يهدئ الذعر مؤقتاً.. هل تكفي الضمادة لجرح هرمز؟

وكالة الطاقة الدولية تسحب 400 مليون برميل لمواجهة اضطرابات ا
استمع للخبر الشرق الأوسط عبد الفتاح يوسف 2026-03-18 17:55 11
سحب مخزونات النفط يهدئ الذعر مؤقتاً.. هل تكفي الضمادة لجرح هرمز؟

في خطوة غير مسبوقة تهدف إلى تهدئة سوق النفط العالمية المضطربة، أعلنت وكالة الطاقة الدولية (IEA) عن أكبر سحب منسق للمخزونات النفطية في تاريخها. يأتي هذا القرار في خضم تصاعد التوترات الجيوسياسية والحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران، التي دفعت صادرات الخام والمنتجات عبر مضيق هرمز إلى مستويات متدنية تاريخياً.

وبينما قد يسهم ضخ 400 مليون برميل من الاحتياطيات الطارئة في تخفيف الذعر الفوري في السوق، يحذر الخبراء من أن هذه الخطوة لا تمثل حلاً جذرياً للأزمة المتفاقمة. فالسوق لا تواجه مجرد ارتفاع في الأسعار، بل اضطراباً حاداً في الإمدادات وتعطيلاً لحركة الشحن في أحد أهم الممرات المائية الحيوية عالمياً.

سحب تاريخي بفعالية محدودة

في 11 مارس/آذار، وافقت الدول الأعضاء الـ32 في وكالة الطاقة الدولية على إتاحة 400 مليون برميل من الاحتياطيات الطارئة، في سادس تحرك جماعي من نوعه منذ تأسيس الوكالة. جاء هذا التحرك بعدما هبطت صادرات الخام والمنتجات عبر مضيق هرمز إلى أقل من 10% من مستوياتها قبل الحرب التي اندلعت في 28 فبراير/شباط 2026، مما أثار مخاوف جدية بشأن استقرار الإمدادات العالمية.

تمتلك الدول الأعضاء في الوكالة 1.25 مليار برميل من المخزونات الحكومية، بالإضافة إلى 600 مليون برميل من مخزونات الصناعة الخاضعة لالتزامات حكومية، ليبلغ الإجمالي أكثر من 1.8 مليار برميل قبل قرار السحب. ومع ذلك، فإن هذا القرار لا يعكس نقصاً عالمياً في النفط المخزن بقدر ما يعكس محاولة عاجلة لتعويض الخلل في التدفقات اليومية. يستهلك السحب الجديد نحو 22% من المظلة الطارئة المتاحة داخل وكالة الطاقة الدولية، وهو ما يتجاوز بكثير أكبر سحب سابق للوكالة في عام 2022 الذي بلغ نحو 182 مليون برميل، مما يؤكد أن السوق انتقلت من اضطراب كبير إلى مستوى "صدمة" أوسع وأكثر حساسية.

"ضمادة صغيرة لجرح كبير"

يصف الخبير في إستراتيجيات الطاقة، نايف الدندني، هذا السحب بأنه "ضمادة صغيرة لجرح كبير" في حديث للجزيرة نت. فرغم ضخامة الرقم، إلا أنه ينكمش بسرعة عند مقارنته بالطلب العالمي؛ حيث تقدر إدارة معلومات الطاقة الأمريكية استهلاك العالم من النفط والسوائل الأخرى في عام 2026 بنحو 105.17 ملايين برميل يومياً. وعلى هذا الأساس، فإن 400 مليون برميل تكفي نظرياً لتغطية نحو أربعة أيام فقط من الاستهلاك العالمي.

وحتى عند مقارنتها بحجم العبور الطبيعي عبر مضيق هرمز، الذي يبلغ نحو 20 مليون برميل يومياً، فإن الكمية المسحوبة تعادل فقط 20 يوماً من التدفقات المعتادة عبره. يرى الدندني أن القرار قد يخفف الصدمة ويهدئ الأعصاب لبعض الوقت، لكنه سيظل محدود الفعالية ما دامت المشكلة الأساسية، وهي حرية الإمدادات وحركة الناقلات عبر هرمز، لم تُحل جذرياً.

الأسعار تتجاوز 100 دولار والتهديد يتصاعد

تتوافق هذه القراءة مع الواقع الحالي للسوق، حيث بقيت أسعار النفط فوق 100 دولار للبرميل. فقد أنهى خام برنت تداولات الجمعة عند 103.14 دولارات للبرميل، بعد أن قفز سابقاً إلى نحو 120 دولاراً مع تفاقم المخاوف من تعطل الإنتاج والشحن. يشير الخبير النفطي الدكتور نبيل المرسومي، في حديثه للجزيرة نت، إلى أن إغلاق مضيق هرمز أضاف نحو 40 دولاراً "علاوة مخاطر جيوسياسية" فوق السعر الذي كانت تفرضه أساسيات السوق قبل الحرب.

من هذه الزاوية، يصبح سحب المخزونات أداة لاحتواء هذه العلاوة مؤقتاً، لا لتغيير المعادلة الأساسية. فالأسعار فوق 100 دولار ليست مريحة للدول المستهلكة، ولا تنسجم مع مصالح الاقتصادات الكبرى التي لا تزال تحاول كبح التضخم وحماية النمو. وتكتسب هذه الرؤية وزناً أكبر بالنظر إلى أن أحدث تقديرات إدارة معلومات الطاقة لا تظهر هبوطاً سنوياً واضحاً في الطلب العالمي بسبب الحرب، بل تبقيه قرب 105.17 ملايين برميل يومياً، مما يؤكد أن ما يضغط على السوق ليس انهيار الاستهلاك، بل الخوف من شح الإمدادات وتأخر وصول البراميل.

تهديد خارك: من الملاحة إلى البنية التحتية

المستجد الأخطر في هذا المشهد هو انتقال التهديد من الملاحة البحرية إلى البنية التحتية النفطية نفسها. فقد حذر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من أنه قد يعيد النظر في قرار استثناء المنشآت النفطية في جزيرة خارك الإيرانية من الاستهداف، إذا واصلت إيران تعطيل مرور السفن عبر هرمز. وتفيد وكالة أسوشيتد برس بأن الضربات الأمريكية أصابت مواقع عسكرية في خارك وتركت المنشآت النفطية دون أضرار حتى الآن، بينما كررت طهران تهديدها باستهداف منشآت النفط والطاقة المرتبطة بأمريكا في المنطقة إذا تعرضت بنيتها النفطية لضربات مباشرة.

تعد جزيرة خارك عقدة حيوية في شبكة صادرات النفط الإيرانية. لذلك، فإن انتقال الحرب من تعطيل الشحن إلى تهديد مرافق التصدير نفسها يرفع المخاطر من سيناريو "اختناق ممر" إلى سيناريو "تعطل أصل إنتاجي وتصديري". في هذه الحالة، تصبح البراميل المسحوبة من المخزونات مجرد جسر طوارئ، لا وسيلة كافية لتعويض فقدان ممتد في الصادرات أو لحماية السوق من موجة ارتفاع جديدة في الأسعار.

قيود لوجستية وزمنية

حتى في السيناريو الأقل سوءاً، أي بقاء الخطر عند مستوى اضطراب الملاحة دون استهداف واسع للبنية التحتية، تظل قدرة السحب محدودة زمنياً ولوجستياً. توضح وزارة الطاقة الأمريكية أن الاحتياطي النفطي الإستراتيجي الأمريكي كان يضم 416 مليون برميل حتى 18 فبراير/شباط 2026، وأن القدرة الاسمية القصوى للسحب تبلغ 4.4 ملايين برميل يومياً. ويحتاج النفط إلى 13 يوماً للدخول إلى السوق الأمريكية بعد القرار الرئاسي، مما يعني أن أكبر مخزون طارئ في العالم لا يمكنه وحده إغراق السوق بالبراميل فوراً، بل يعمل ضمن سرعة ضخ وقدرات نقل وتكرير محددة.

لهذا يرى الدندني أن أثر القرار سيكون مؤقتاً ومحدوداً، بينما يحذر المرسومي من أن بقاء هرمز معطلاً أو انتقال التهديد إلى باب المندب أو إلى منشآت إنتاج وتصدير خليجية أخرى قد يدفع الأسعار بسهولة إلى مستويات أعلى. وبين الرأيين، تتبلور خلاصة مفادها أن المخزونات الإستراتيجية قد تؤخر القفزات الكبرى في الأسعار، لكنها لا تستطيع وحدها إعادة التوازن إلى سوق فقدت أحد أهم شرايينها الحيوية.

# نفط # مخزونات إستراتيجية # وكالة الطاقة الدولية # مضيق هرمز # أسعار النفط # أزمة الطاقة # حرب إيران إسرائيل أمريكا # جزيرة خارك
اقرأ هذا الخبر