شهادة تاريخية: رئيس استطلاع الجولان يكشف أسرار السقوط و28 عاماً في سجون الأسد
بعد عقود من الصمت المطبق، كسر الضابط السوري المتقاعد خليل بريز حاجزاً طويلاً من الكتمان، ليكشف في شهادة مصورة تُبث للمرة الأولى تفاصيل مثيرة حول سقوط هضبة الجولان السورية بيد الاحتلال الإسرائيلي عام 1967، وما تلاها من أحداث مأساوية انتهت باختطافه وقضائه نحو 28 عاماً في سجون النظام السوري. هذه الشهادة، التي قُدمت ضمن برنامج "الملف 404" على "الجزيرة 360"، تلقي الضوء على واحدة من أكثر الفصول غموضاً في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي.
وُلد خليل بريز عام 1933، والتحق بالكلية العسكرية السورية عام 1953، لينتقل لاحقاً إلى جبهة الجولان في 25 أبريل/نيسان 1958. تدرج بريز في الرتب والمناصب، وشغل منصب رئيس قسم الاستطلاع في جبهة الجولان، مما منحه اطلاعاً واسعاً على التفاصيل العسكرية للمنطقة. لكن مسيرته العسكرية لم تكن خالية من التحديات، فبعد الانفصال بين سوريا ومصر عام 1961، شارك بريز في أحداث سياسية أدت إلى فصله من الجيش، واعتقل عام 1963 بعد انقلاب زياد الحريري.
سقوط الجولان: صدمة وخيانة في نظر ضابط الاستطلاع
بعد إطلاق سراحه، حاول بريز تنظيم نشاط سياسي معارض، مما دفعه للهروب إلى لبنان بعد صدور حكم بالإعدام بحقه. تزامن وجوده في بيروت مع اندلاع حرب يونيو/حزيران 1967، التي شهدت سقوط الجولان. يروي بريز صدمته الكبيرة عند سماع البيان العسكري رقم 66 الصادر عن وزير الدفاع السوري آنذاك حافظ الأسد، والذي أعلن سقوط مدينة القنيطرة قبل دخول القوات الإسرائيلية إليها. هذه المفارقة أثارت لديه تساؤلات عميقة، مؤكداً أن العقيدة العسكرية التي تعلمها كانت تقضي بالقتال لساعات طويلة قبل أي انسحاب.
اقرأ أيضاً
- زوجة بن غفير تحتفل بعيد ميلاده بكعكة عليها حبل مشنقة
- تقرير: تصعيد خطير يستهدف ميناء دمياط
- دعوى قضائية: فنزويليون يقاضون شركات طيران أمريكية لنقلهم إلى سجن السلفادور سيئ السمعة
- تقرير أممي يكشف: تكلفة الغذاء الصحي تفوق قدرة ثلث سكان العالم
- مراقبة عامل إغاثة في مستشفى بلندن لاحتمال تعرضه لفيروس إيبولا بالكونغو الديمقراطية
يرى بريز، الذي خدم خمس سنوات في الجبهة ويعرف تضاريس الجولان جيداً، أن ما حدث كان "خيانة وتسليماً للجولان". ويشير إلى وجود خطة عسكرية مكتوبة، وُضعت بإشراف خبراء روس ووافق عليها القيادة السياسية، للدفاع عن الجولان في حال هجوم إسرائيلي، لكن هذه الخطة لم تُنفذ خلال الحرب. زوجته، ليلى الطبل، تؤكد حجم الصدمة التي أصابته، وكيف كان يردد أن الجولان "مستحيل أن تسقط"، معرباً عن رغبته في العودة والتطوع بالجيش.
كتاب "سقوط الجولان" وبداية الملاحقة
لم يكتف بريز بالصمت، بل قرر توثيق شهادته في كتاب بعنوان "سقوط الجولان"، نشره عام 1970 على نفقته الخاصة مستخدماً أسماء دور نشر وهمية. في هذا الكتاب، تحدث عن تجربته واتهم قيادة حزب البعث بالتقصير في إدارة المعركة. صديقه، أحمد راتب عرموش، الذي اطلع على الكتاب قبل نشره، نصحه بعدم إصداره خوفاً على حياته، وهو ما ثبت لاحقاً.
بعد نشر الكتاب، بدأت مرحلة صعبة للعائلة، حيث تلاحق بريز واضطر إلى التخفي والتنقل بين منازل عدة في بيروت. ويقول إنه تعرض لمحاولات عديدة لاختطافه أو اغتياله.
اختطاف وسنوات في سجون النظام السوري
في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 1970، تمكنت جهات أمنية سورية من استدراج خليل بريز عبر أحد أصدقائه المقربين. يروي بريز تفاصيل الهجوم المفاجئ الذي تعرض له في منطقة الجناح ببيروت، وكيف نُقل بسرعة إلى داخل الأراضي السورية. وهكذا، بدأت فصول جديدة ومظلمة من حياته.
قضى بريز نحو 28 عاماً في سجون النظام السوري، متنقلاً بين سجن المزة وسجن عدرا ومراكز أمنية مختلفة. يصف ظروف الاعتقال بأنها كانت قاسية، حيث أمضى فترات طويلة في مهاجع مكتظة. صدرت بحقه أحكام قضائية بالسجن 15 عاماً بتهم تتعلق بالإساءة إلى الجيش والتحريض، لكنه بقي محتجزاً سنوات إضافية فيما وصفه بـ"الاعتقال العرفي" بعد انتهاء مدة الحكم.
ظلت عائلته سنوات طويلة دون معرفة مصيره، رغم حملات منظمات حقوقية كمنظمة العفو الدولية للمطالبة بالإفراج عنه. بعد سنوات من المنع، سُمح للعائلة بزيارته مرة واحدة شهرياً، وفي إحدى هذه الزيارات، التقى بابنه عمار الذي لم يتعرف عليه في البداية بعد أن كبر خلال سنوات اعتقاله الطويلة.
الحرية وأمنية تحققت
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، أتيحت لخليل بريز فرصة مغادرة سوريا واللجوء إلى الخارج. سُجلت معه هذه المقابلة في ماليزيا، حيث كشفت عائلته للمرة الأولى قصة ظلت حبيسة الصمت لعقود. تقول ابنته إن والدها كان يردد دائماً أمنيته بأن يعيش حتى يرى نهاية حكم الأسد، وهي الأمنية التي تحققت أخيراً، ليختتم بريز فصلاً طويلاً من حياته كشاهد على أحداث تاريخية مصيرية.