إخباري
الأربعاء ٢٤ يونيو ٢٠٢٦ | الأربعاء، ٩ محرم ١٤٤٨ هـ
عاجل

صراعات الشرق الأوسط: كارثة بيئية صامتة تتجاوز ساحات القتال

تقارير تحذر من تداعيات بيئية وصحية طويلة الأمد للحروب في الم

صراعات الشرق الأوسط: كارثة بيئية صامتة تتجاوز ساحات القتال
عبد الفتاح يوسف
منذ 3 شهر
162

مع تصاعد وتيرة المواجهة في الشرق الأوسط بين القوى الإقليمية والدولية، تتزايد المخاوف من تداعيات كارثية تتجاوز ساحات القتال والدمار المادي للمدن والبنى التحتية. فالحروب الحديثة، بأبعادها المعقدة وأسلحتها المتطورة، تترك بصمات قاتمة على البيئة، مهددة الهواء والمياه والتربة، ومخلفة أضراراً بيئية قد تهدد صحة الإنسان والنظم البيئية لسنوات طويلة قادمة.

تلوث الهواء: غيمة سامة فوق المدن

يشير تقرير أعدته شبكة الجزيرة، نقلاً عن أحمد جرار، إلى أن آثار الصراع في المنطقة لم تعد تقتصر على الخسائر العسكرية والاقتصادية، بل بدأت تتجلى بوضوح في صورة أزمات بيئية متصاعدة. فمع كل غارة أو انفجار في ساحات القتال، تتسع دائرة التلوث البيئي، حيث تتصاعد أعمدة الدخان والمواد الكيميائية السامة في الهواء، حاملة معها مخاطر صحية وبيئية طويلة الأمد، لا سيما في إيران والدول المجاورة.

وفي سياق متصل، رصدت وحدة البيانات في الجزيرة تغيرات مقلقة في جودة الهواء عقب القصف الإسرائيلي الذي استهدف مستودعات ومصافي نفط في محافظتي طهران والبرز في التاسع من مارس/آذار الجاري. بالاعتماد على بيانات الأقمار الصناعية، كشفت هذه البيانات عن ارتفاع حاد في مستويات غاز ثاني أكسيد الكبريت (SO2)، وهو ملوث رئيسي ناتج عن احتراق الوقود الأحفوري.

لقد ارتفعت نسبة هذا الغاز إلى نحو 5 أضعاف مقارنة بالمستويات التي كانت مسجلة قبل وقوع الهجمات، مما يشير إلى حجم الكارثة البيئية. كما أظهرت صور الأقمار الصناعية انتشار ما يشبه غيمة سوداء كثيفة فوق مصفاة طهران، امتدت على مساحة تقارب 5 كيلومترات مربعة، إلى جانب سحابة أخرى رُصدت فوق منطقة شهران شمالي العاصمة على مساحة تقارب كيلومترا مربعا.

ويُعد ثاني أكسيد الكبريت أحد أبرز الملوثات الهوائية المرتبطة بالعمليات الصناعية والحرائق النفطية، إذ يؤدي ارتفاع تركيزه في الهواء إلى تهيّج الجهاز التنفسي وتضيّق الشعب الهوائية، كما يزيد من حدة نوبات الربو والتهابات القصبات. وتزداد خطورة هذه الانبعاثات على الفئات الأكثر هشاشة، مثل الأطفال وكبار السن، إضافة إلى مرضى الجهاز التنفسي، الذين قد يتأثرون بشكل أكبر بتدهور جودة الهواء في المناطق المتضررة.

ولم تقتصر التغيرات البيئية على غاز ثاني أكسيد الكبريت، إذ رصدت وحدة البيانات في الجزيرة أيضاً زيادة بنسبة 15% في مستويات الأوزون الأرضي في محافظتي طهران والبرز خلال الفترة ذاتها. ويتكون الأوزون القريب من سطح الأرض عندما تتفاعل الملوثات المنبعثة من الدخان والاحتراق مع أشعة الشمس، ما يؤدي إلى تشكّل غاز مهيّج للرئتين يمكن أن يسبب صعوبات في التنفس وزيادة في نوبات الربو.

تلوث المياه والتربة: تهديد خفي طويل الأمد

لا تقتصر الأضرار البيئية على التلوث الجوي فحسب، إذ يشير مرصد الصراعات والبيئة في لندن إلى تسجيل أكثر من 300 حادثة ضرر بيئي جسيم في المنطقة منذ اندلاع الحرب أواخر فبراير/شباط الماضي. وتتراوح هذه الحوادث بين حرائق واسعة في منشآت صناعية ونفطية، وتسربات كيميائية خطيرة، إضافة إلى تلوث مصادر المياه والتربة في مناطق متعددة من الشرق الأوسط.

وفي طهران والبرز تحديداً، سُجلت حالات هطول أمطار ملوثة بمواد كيميائية ناتجة عن التفاعل بين الانبعاثات الصناعية والملوثات الناتجة عن القصف، ما أدى إلى تسجيل آلاف الإصابات بالتهابات تنفسية وحروق كيميائية بين السكان. ويحذّر مختصون من أن هذه الظواهر قد تتحول إلى مشكلة بيئية متكررة إذا استمرت العمليات العسكرية، خاصة مع تراكم الملوثات في طبقات الجو السفلى وانتقالها لمسافات بعيدة بفعل الرياح.

وفي البحر، تتزايد المخاوف من تلوث محتمل في مياه الخليج العربي، بعد تعرض نحو 12 ناقلة نفط وسفينة تجارية للقصف خلال العمليات العسكرية الأخيرة. هذا يثير مخاوف جدية من تسربات نفطية قد تضر بالنظم البيئية البحرية الهشة في الخليج، الذي يُعد أحد أكثر المناطق حساسية بيئياً في العالم. يمكن لأي تسرب نفطي واسع أن يهدد الحياة البحرية، ويؤثر سلباً على مصايد الأسماك والسواحل، فضلاً عن انعكاساته الاقتصادية المدمرة على دول المنطقة.

كما تهدد الهجمات التي تطال منشآت البنية التحتية المائية، مثل محطات تحلية المياه، مصادر الشرب لملايين السكان في المنطقة، في ظل اعتماد نحو 100 مليون شخص على هذه المحطات لتوفير المياه العذبة. ولا تتوقف المخاطر عند هذا الحد، إذ تمتد آثار التلوث أيضاً إلى التربة والموارد المائية الجوفية، حيث قد تتسرب المواد الكيميائية والوقود المحترق إلى باطن الأرض، مسببة تلوثاً طويل الأمد يصعب معالجته سريعاً.

يؤكد خبراء البيئة أن معالجة آثار التلوث في التربة والمياه الجوفية قد تستغرق سنوات طويلة، إضافة إلى تكاليف باهظة قد تصل إلى عشرات مليارات الدولارات لإعادة تأهيل المناطق المتضررة. هذه الكلفة البيئية والبشرية والاقتصادية الخفية للحروب في الشرق الأوسط تستدعي وقفة جادة، وتؤكد أن السلام ليس مجرد غياب للقتال، بل هو أيضاً ضمان لمستقبل بيئي وصحي مستدام للأجيال القادمة.

الكلمات الدلالية: # حروب الشرق الأوسط، تلوث بيئي، آثار الحروب البيئية، ثاني أكسيد الكبريت، أوزون أرضي، تلوث الخليج، تلوث المياه الجوفية، مخاطر صحية بيئية