إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
--° القاهرة

فرنسا: الانتخابات البلدية كأنفاس ديمقراطية في ظل تحديات كبرى

تحليل معمق لآراء الصحف الفرنسية حول أهمية الانتخابات المحلية
استمع للخبر عبد الفتاح يوسف 2026-03-12 16:20 50
فرنسا: الانتخابات البلدية كأنفاس ديمقراطية في ظل تحديات كبرى

فرنسا - وكالة أنباء إخباري

فرنسا: الانتخابات البلدية كأنفاس ديمقراطية في ظل تحديات كبرى

تتجه الأنظار في فرنسا نحو الانتخابات البلدية، التي تُعدّ الاستحقاق المحلي الأكثر ارتباطاً بوجدان المواطنين الفرنسيين. فمع اقتراب يوم الأحد، تتحول البلديات الفرنسية إلى ساحة تنافس انتخابي واسع، حيث يتنافس مئات الآلاف من المرشحين عبر عشرات الآلاف من القوائم الانتخابية للفوز بثقة الناخبين وإدارة شؤون مجتمعاتهم. وتشير الأرقام إلى حجم هذا الاهتمام، حيث يتنافس ما لا يقل عن 904,042 مرشحًا على 50,478 قائمة انتخابية، بهدف قيادة مصير 34,875 بلدية فرنسية. اللافت للنظر أن 68 قرية فقط، جميعها يقل عدد سكانها عن 1300 نسمة، تواجه هذا الاستحقاق دون وجود مرشحين.

في خضم عام 2026 الذي تهتز فيه الساحة العالمية بفعل الحروب والصدمات الجيوسياسية، وتغرق فيه الأخبار السياسية الوطنية في بحر من تبادل الاتهامات والاستقطاب الذي تغذيه شبكات التواصل الاجتماعي، تكتسب هذه الانتخابات البلدية أهمية خاصة. يصفها البعض بأنها "تنفس ديمقراطي ضروري"، فرصة لاستعادة روح المشاركة الحقيقية بعيداً عن صخب السياسة الوطنية. رغم حالة العزوف السياسي والتصورات المتشائمة التي تخيم على فرنسا منذ منتصف الثمانينيات، لا تزال الحياة السياسية المحلية تنبض بالحيوية، وتُظهر قدرة على التكيف والتجدد.

صحيفة "لا كروا" (La Croix) تسلط الضوء على النقاش السياسي الوطني الذي طغى على أجواء الحملات الانتخابية المحلية خلال الأسابيع الماضية. ففي الوقت الذي شهدت فيه البلاد نقاشات حادة حول العنف السياسي، خاصة بعد حادثة مقتل الناشط اليميني المتطرف كوينتن ديرانك، تحذر الصحيفة من "المعادلات المضللة". وتؤكد على ضرورة مقاومة "إغراء وضع علامة متساوية" بين حزب "فرنسا الأبية" (LFI) وحزب "التجمع الوطني" (RN)، كلاهما يمثل أقصى الطيف السياسي. ترى "لا كروا" أن كلا الحزبين يمثلان خطراً على الجمهورية، وإن اختلفت طبيعة هذا الخطر. تشير الصحيفة إلى أن أحد الحزبين له جذور في الماضي، حيث أسسه عناصر من "شوتس شتافل" (SS)، ولا يزال قادته الحاليون، المرتبطون بسلالة عائلية واحدة، يواجهون إدانات قضائية متكررة دون إبداء ندم على ماضيهم. أما الحزب الآخر، فيقوم على "عبادة شخصية"، وتتمثل استراتيجيته في "تأجيج الصراعات". وتستذكر الصحيفة تصريح زعيمه في عام 2018 "الجمهورية هي أنا!"، في إشارة إلى رفضه للسلطة القضائية وتقويض دور الصحافة كسلطة رقابية. وتختتم "لا كروا" بالتأكيد على أن لكل من "التجمع الوطني" و"فرنسا الأبية" مساره التاريخي الخاص، وأن مسؤولية الجميع تكمن في "تحديد هذه المسارات"، وهو ما يعني رفض التبسيط والمحافظة على التفكير النقدي.

من جانبها، تركز صحيفة "ليبراسيون" (Libération) على ظاهرة رؤساء البلديات من اليسار الذين "يؤكدون الآن على عدم ترك قضية الأمن لليمين واليمين المتطرف". وتستعرض كيف أن زيادة أعداد شرطة البلدية أو تركيب كاميرات المراقبة أصبحت إجراءات تُذكر في سجلات إنجازاتهم، كما هو الحال في نانت (يقودها الحزب الاشتراكي) وبوردو (يقودها حزب الخضر)، وفي العديد من البلديات الأخرى. ورغم أن بعض الأصوات، خاصة من تيار "فرنسا الأبية"، تنتقد ما تسميه "توجهاً يمينياً" في خطاب اليسار حول هذه القضية، يفضل الأغلبية تبني هذه الموضوعات التي تمس الطبقات الشعبية بشكل مباشر. كما يؤخذ في الاعتبار التطور الملحوظ في تجارة المخدرات، الذي يصعب إنكاره. وفي الوقت نفسه، تؤكد "ليبراسيون" على ضرورة "مواكبة هذه السياسات الأمنية بسياسات وقائية حقيقية، ودعم اجتماعي، وتمويل للمنظمات الأهلية، ومكافحة الصور النمطية التي لا تزال راسخة لدى اليمين واليمين المتطرف".

ومع ذلك، فإن لون الانتماء السياسي للمرشحين لا يمثل الأولوية في معظم بلديات فرنسا. هذا ما تشير إليه صحيفة "لو باريزيان" (Le Parisien) استناداً إلى دراسة حديثة، والتي تظهر أن "8% فقط من الفرنسيين يعتبرون أن من المهم أن يكون رئيس البلدية من نفس ميولهم السياسية". وفي المقابل، يركز 64% على "نزاهة" العمدة، و52% على "وفائه بوعوده"، و32% على "معرفته الجيدة بملفاته". وتلفت "لو باريزيان" إلى أن العلاقة مع العمدة قد تغيرت، وأن الانتخابات أصبحت أكثر "مباشرة"، أشبه بتصويت على شخصية المرشح أكثر من كونها تصويتًا على برنامج حزبي.

أخيراً، تعرب صحيفة "لو فيغارو" (Le Figaro) عن قلقها بشأن "فتور ديمقراطي محلي". وتشير إلى أنه في 68% من البلديات، ستتنافس قائمة واحدة فقط، وفي 25% ستتنافس قائمتان. وهذا يعني أنه بحلول مساء الأحد، ستكون هوية العمدة قد حُسمت في 93% من البلديات، دون مواجهة حقيقية بين المشاريع أو وجود معارضة فعالة في المجلس البلدي. وبالتالي، تطرح "لو فيغارو" تساؤلاً جوهرياً: هل لا تزال الديمقراطية المحلية قادرة على جذب المتطوعين، وهل تظل في كل مكان ديمقراطية قائمة على النقاش والتعددية وتوفير البدائل؟ إنها دعوة للتفكير في مستقبل المشاركة الديمقراطية على المستوى المحلي في فرنسا.

# الانتخابات البلدية الفرنسية # سياسة محلية # ديمقراطية # فرنسا # Le Monde # La Croix # Libération # Le Parisien # Le Figaro # تحديات سياسية # مشاركة مواطنين
اقرأ هذا الخبر