لبنان - وكالة أنباء إخباري
في الثالث من كانون الثاني/يناير، ومع إطلالة ذكرى ميلاده، تتجدد حكاية فنان لم يكن مجرد اسم في سجل الإبداع اللبناني، بل كان ظاهرة فنية متفردة، صوتًا لا يهدأ، وضميرًا ثقافيًا قلقًا. نتحدث عن زياد الرحباني، الذي وإن رحل عن عالمنا في السادس والعشرين من تموز/يوليو 2025، تاركًا خلفه إرثًا فنيًا غنيًا، إلا أن حضوره ما زال يتردد صداه في كل زاوية من زوايا المشهد الثقافي العربي. لم يكن زياد مجرد ابن للأيقونة فيروز، بل كان هو نفسه أسطورة أخرى، نسجها بخيوط التمرد، الصدق الموجع، والتجديد الجريء.
خروج مبكر عن المألوف: من عباءة الرحابنة إلى بصمة شخصية
منذ البدايات، أدرك زياد الرحباني أن طريقه لن يكون امتدادًا سلسًا لمسار والده وأعمامه. كسر مبكرًا القوالب الجاهزة وخرج من عباءة "الرحبانية" الكبيرة، ليبدأ رحلة البحث عن صوت خاص به، صوت صادم أحيانًا، لكنه صادق إلى حد الإيلام دائمًا. لم يهدف زياد إلى مجرد الإطراب أو إثارة الإعجاب، بل كان فنه أداة للإرباك، للكشف عن المستور، ولتحريك المياه الراكدة في وجدان المجتمع. موسيقاه لم تعرف الخطوط المستقيمة، ومسرحه كان مرآة تعكس الواقع العربي بتناقضاته، لا سيما الواقع اللبناني، بعين ناقدة لا تخشى السخرية أو المواجهة.
اقرأ أيضاً
- عون وترامب يبحثان استقرار لبنان والمنطقة: خطة لتفكيك ترسانة حزب الله مقابل انسحاب إسرائيلي
- فرنسا تطالب إيران بتحقيق شامل في حادثة دبلوماسية وتؤكد على ضرورة احترام الأعراف الدولية
- لقاء تاريخي في البيت الأبيض: ترامب وعون يبحثان العلاقات الثنائية وسط أجواء ودية
- ترامب يمهد للعبث بنتائج انتخابات التجديد النصفي بمزاعم غير مؤكدة
- تصعيد خطير: أمريكا تواصل ضرباتها وإيران تستهدف قواعد أمريكية بالمنطقة
المسرح: مجتمع بأكمله على خشبة العرض
في أعماله المسرحية، مثل "بالنسبة لبكرا شو؟" و"شي فاشل"، لم يكن البطل فردًا بمعاناته الشخصية، بل مجتمعًا كاملًا بكل ما فيه من ضعف، طائفية، محاولات يائسة للنجاة، وتناقضات عميقة. شخصيات زياد تشبه الناس في الشارع: تتحدث لغتهم العامية، تخطئ وتضحك، تنهار وتنهض. في هذا العمق الإنساني والواقعية الصارخة كانت تكمن قوة زياد الرحباني المسرحية، فهو لم يقدم حلاً سحريًا، بل طرح الأسئلة الصعبة وترك الجمهور يواجه حقيقة واقعه.
موسيقى حرة: مزج العوالم وإعادة تعريف صوت فيروز
موسيقيًا، كان زياد فضاءً رحبًا للتجريب. مزج الشرقي بالغربي، الكلاسيكي بالجاز، واللحن الحزين بالإيقاع الساخر، ليصنع عالمًا موسيقيًا لا يشبه أحدًا سواه. ألحانه لم تكن سهلة الاستساغة بالضرورة، لكنها كانت عميقة الصدق، تعبر عن عواطف مركبة وحالات إنسانية معقدة. علاقته بفيروز، والدته الأسطورية، تجاوزت علاقة الملحن والمطربة التقليدية لتتحول إلى حوار فني بين جيلين. أعاد زياد تقديم صوت فيروز بروح مختلفة؛ أقل مثالية، أكثر إنسانية، أقرب إلى نبض الشارع وهموم الناس. لم يخشَ أن يظهر صوت فيروز بمسحة من الألم أو الواقعية، ما أضاف أبعادًا جديدة لمسيرتها، وفتح نافذة لجمهور شاب للاقتراب من صوت كان يُنظر إليه كرمز بعيد لا يقبل المساس.
وبهذه المناسبة، قال القاضي محمد وسام المرتضى، وزير الثقافة اللبناني، في تصريح خاص لـبوابة إخباري: "يظل زياد الرحباني قامة فنية استثنائية، ليس فقط لما قدمه من أعمال خالدة، بل لقدرته على أن يكون مرآة صادقة لمجتمعه، وأن يكسر الحواجز الفنية ويقدم رؤية متفردة. إرثه سيظل مصدر إلهام للأجيال القادمة في لبنان والعالم العربي."
زياد الرحباني: الضمير الفني الذي لا يهدأ
اليوم، حين يذكر اسم زياد الرحباني، لا نستذكر ألحانًا أو مسرحيات فحسب، بل نستذكر فنانًا اختار أن يكون ضميرًا قلقًا، لا يعرف الهدوء. فنه لم يكن هروبًا من الواقع، بل مواجهة مباشرة وصادقة معه. لقد كان زياد، وما زال، أيقونة التجديد والتمرد، دليلًا على أن الفن الحقيقي هو الذي يربك، يتساءل، ويكشف، ويبقى خالدًا في وجدان من يتذوقه.