القاهرة - وكالة أنباء إخباري
في تزامن لافت مع الذكرى المزدوجة لميلاد ووفاة الشيخ محمد رفعت، الذي لا يزال صوته يتردد كـ«قيثارة السماء» في قلوب الملايين، ألقى الفنان المصري محمد فهيم الضوء على كواليس رحلته الفنية لتجسيد شخصية هذه الأيقونة الخالدة. تأتي تصريحات فهيم لتضيف بعداً إنسانياً وفنياً جديداً لفهم عمق شخصية الشيخ رفعت وتأثيره الذي لا يمحى.
الشيخ محمد رفعت: صوت من الجنة
يُعد الشيخ محمد رفعت (1882-1950) واحداً من أبرز قراء القرآن الكريم في التاريخ الإسلامي الحديث، إن لم يكن أبرزهم على الإطلاق. تميز صوته بجمال أخّاذ، وتأثر عميق، وقدرة فريدة على إيصال المعاني الروحية للآيات القرآنية إلى المستمعين، حتى لغير الناطقين بالعربية. لقبه محبوه بـ«قيثارة السماء»، وهو لقب يعكس مدى الإعجاب والتقدير لطبقات صوته الدافئة والعذبة التي كانت تلامس الوجدان. لم يكن رفعت مجرد قارئ، بل كان فناناً يمتلك حساسية فائقة في التعبير عن النص القرآني، مما جعله مدرسة قائمة بذاتها في فن التلاوة.
اقرأ أيضاً
محمد فهيم: تحدي تجسيد الأسطورة
يُعرف الفنان محمد فهيم بقدرته على تجسيد الشخصيات التاريخية ببراعة، لكن مهمة تجسيد الشيخ محمد رفعت كانت تحدياً من نوع خاص. فالشيخ رفعت ليس مجرد شخصية تاريخية، بل هو رمز روحي يمتلك مكانة خاصة في الذاكرة الجمعية للمصريين والعالم الإسلامي. يتطلب هذا الدور ليس فقط إتقاناً للأداء التمثيلي، بل أيضاً فهماً عميقاً للبعد الروحي والنفسي للشخصية، ومحاولة الاقتراب من جوهرها دون تقليد سطحي.
أشار فهيم في تصريحاته إلى أن التحضير لهذا الدور استغرق وقتاً وجهداً كبيرين، تضمن الاستماع المتواصل لتسجيلات الشيخ رفعت النادرة، ودراسة سيرته الذاتية، والتعمق في تفاصيل حياته اليومية والفنية. لم يكن الهدف هو محاكاة صوت الشيخ رفرفة، وهو أمر مستحيل، بل كان التركيز على استيعاب روحه وطريقة تعبيره وتأثره بالقرآن، وكيف كان هذا التأثر ينعكس على أدائه.
كواليس الرحلة الفنية: بين الإجلال والمسؤولية
تحدث فهيم عن اللحظات التي شعر فيها بثقل المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقه، فتقديم شخصية بحجم الشيخ رفعت يتطلب إجلالاً واحتراماً لا يقل عن حجم الموهبة. كانت هناك لحظات شك وتساؤل، ولكن الإيمان بأهمية إحياء ذكرى هذه القامة الفنية والروحية كان هو الدافع الأكبر. كشف فهيم عن تفاصيل تتعلق بكيفية محاولته فهم الحالة النفسية للشيخ رفعت أثناء تلاوته، وكيف كان يغوص في معاني الآيات ليخرجها بصوته الذي كان يلامس القلوب.
كانت عملية البحث والتحضير أشبه برحلة استكشافية في حياة الشيخ، من طفولته المبكرة وفقدانه بصره، إلى صعوده كأحد أعظم قراء القرآن. هذه التفاصيل ساعدت فهيم على بناء شخصية متكاملة، لا تقتصر على الصوت فقط، بل تمتد إلى الروح والحضور. وأكد فهيم أن الدعم من فريق العمل، والمخرج، كان حاسماً في تجاوز الصعوبات، وتحويل التحدي إلى فرصة للإبداع.
إرث يتجاوز الأجيال
إن تجسيد شخصية الشيخ محمد رفعت في عمل فني ليس مجرد تكريم لذكراه، بل هو محاولة لتعريف الأجيال الجديدة بهذه القامة التي قد لا تكون على دراية كاملة بعمق تأثيرها. فصوت الشيخ رفعت ليس مجرد ذكرى عابرة، بل هو جزء لا يتجزأ من الوجدان الثقافي والديني للأمة. تظل تسجيلاته مصدر إلهام للملايين، ومدرسة يتعلم منها القراء الجدد فن التلاوة وروحانيتها.
تأتي تصريحات محمد فهيم لتؤكد أن الفن قادر على حفظ الإرث الثقافي والروحي، وتقديمه في قالب معاصر يلامس قلوب وعقول الجماهير. ففي كل مرة يُعاد فيها إحياء ذكرى الشيخ محمد رفعت، سواء عبر تسجيلاته الخالدة أو عبر تجسيد فني لشخصيته، تتجدد معه قصة صوت لا يزال يصدح في فضاء الروح، مؤكداً أن قيثارة السماء لن تصمت أبداً.