بهجة التحضير العائلي: قلب احتفالات عيد الفطر
مع اقتراب نهاية شهر رمضان المبارك في مصر، تتحول المنازل إلى خلايا نحل نابضة بالحياة، حيث تبدأ معظم الأسر في إعداد كعك العيد والبسكويت، في تقليد راسخ يُعد من أبرز مظاهر الاحتفال بقدوم عيد الفطر المبارك. هذه العملية ليست مجرد تحضير للحلويات، بل هي طقس اجتماعي تتجسد فيه الفرحة الحقيقية، يشارك فيه الكبار والصغار على حد سواء. تتولى الأم أو الجدة المصرية مهمة الإشراف على التحضير، بينما تتعاون نساء الأسرة وبعض الجارات في صب العجين وتشكيله باستخدام قوالب خاصة، أو في نقش الكعك وزخرفته بدقة ومهارة. وفي خضم هذه الأجواء الاحتفالية، تتبادل التهاني والأخبار، وتصدح الأغاني الشعبية، وتتعالى ضحكات الأطفال، لتملأ البيوت بهجة وسروراً.
تخرج رائحة تسوية الكعك الزكية من البيوت لتعلن للجميع عن قرب حلول العيد، وتضفي على الأحياء عبقاً خاصاً. ورغم انتشار صناعة وبيع الكعك والبسكويت في محلات الحلويات الشهيرة والأسواق الشعبية، وكذلك في المخابز المنتشرة في جميع أنحاء الجمهورية والتي تنشط بشكل لافت في أواخر الشهر الكريم لتصنيع الكعك أو تسويته للزبائن، إلا أن صناعته وإعداده في المنزل يظل العادة المميزة والتقليد المتوارث الذي يمنح العيد طابعه الخاص، ويجسد الانطباع الحقيقي للقداسة والبركة والفرحة.
تعتمد مكونات الكعك الأساسية على السمن واللبن والدقيق، وهي مكونات كانت تُستخدم في الأطعمة الدينية القديمة التي كانت تُقدم كقرابين وهبات للمعابد والأماكن الدينية وزيارة الموتى وتقديم الرحمات، ثم تحولت لتصبح جزءاً لا يتجزأ من المناسبات العامة لإدخال البهجة والفرحة وطلب الرزق الوفير. لا يكاد يخلو منزل مصري من كعك العيد، وتتفنن الأسر في صنعه بأشكال ونكهات متنوعة؛ فمنه الكعك السادة، والمحشو بالملبن أو العجوة، أو بالمكسرات الفاخرة. وإلى جانبه، تُصنع القراقيش والغُريبة والبسكويت، لتكتمل موائد العيد بألذ الحلويات.
اقرأ أيضاً
- رونالدو ومودريتش يتحديان الزمن في قمة البرتغال وكرواتيا بالمونديال
- انفجار دمشق: تسعة قتلى وعشرون جريحاً في مقهى بوسط العاصمة
- يويفا يرفض تطبيق قاعدة فيفا الجديدة لطرد اللاعبين لتغطية أفواههم
- مانشستر سيتي يضم جوهرة إنجلترا إليوت أندرسون بصفقة 155 مليون دولار
- إيران ولبنان: محادثات الدوحة تسفر عن نتائج إيجابية وسط تطورات جنوب لبنان
التكافل الاجتماعي وتحديات العصر:
على الرغم من الأعباء المادية التي قد تثقل كاهل الأسر، خاصة في ظل ارتفاع الأسعار، إلا أن عادة صناعة الكعك تظل صامدة. فالمجتمع المصري يتكاتف لمساعدة بعضه البعض؛ حيث يُقدم اللبن في الريف المصري كهدايا في هذا الوقت، بالإضافة إلى السمن والدقيق، كما تستعير الأسر الأدوات اللازمة للصناعة المنزلية مثل المناقيش والقوالب المختلفة. هذا التكافل يضمن أن تتمكن جميع الأسر، القادرة وغير القادرة، من إدخال الفرحة والبهجة بقدوم العيد، ويُعد تعويضاً عن ألم فراق شهر رمضان الكريم. وعادة ما يُقدم الكعك والحلويات للضيوف خلال أيام العيد، إلى جانب المكسرات والشكولاتة والبلح والسوداني والترمس، في عادة منتشرة في جميع البيوت المصرية.
جذور تاريخية تمتد لآلاف السنين:
تُعد صناعة الكعك في مصر قديمة قدم التاريخ، إذ ترجع إلى العهد الفرعوني قبل نحو 5000 عام. وقد عُثر على أشكال متعددة للكعك منقوشة على جدران المقابر، حيث كانت زوجات الملوك تقدمنه للكهنة القائمين على حراسة هرم خوفو في يوم تعامد الشمس على حجرته. وتشير الدلائل إلى أن الكعك كان يُصنع في البداية على هيئة قرص، ثم تفنن المصريون القدماء في تشكيله وزخرفته، وكانت تُرسَم صورة الشمس عليه. ورغم مرور آلاف السنين، ظلت صناعة الكعك التقليدية متوارثة في مصر حتى يومنا هذا. وقد ذكر المؤرخ هيرودوت، الذي زار مصر في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد، تعجبه من رؤيته للمصريين يمزجون عجين الكعك والخبز بأقدامهم، في حين أنهم يمزجون الطين بأيديهم.
الكعك في العصور الإسلامية بمصر:
استمر تقليد صناعة الكعك وازدهر في العصور الإسلامية بمصر، وتذكر المصادر أن تاريخ الكعك يعود إلى عهد الطولونيين (968-902م)، حيث كان يُصنع عبر قوالب يُكتب عليها 'كل واشكر'، ليصبح في عهدهم من أهم مظاهر عيد الفطر. وفي العهد الإخشيدي (935-969م)، يُروى أن أبا بكر المدراني، وزير الدولة، صنع كعكاً في عيد الفطر وحشاه بالدنانير الذهبية، وكتب عليه 'افطن لما فيه'، وقد حُرفت الكلمة لاحقاً لتصبح 'أنطونلة'، وأصبحت من أشهر الكعكات في التاريخ المصري التي كانت تُقدم للفقراء.
بلغ الكعك ذروة اهتمامه في العصر الفاطمي (حتى 1171م)، حيث خصص الخليفة مبلغ 20 ألف دينار لعمل كعك عيد الفطر، وكان يبدأ صناعته من منتصف شهر رجب حتى تمتلئ المخازن لتكون كافية لتوزيعه على الشعب في العيد. وكان الخليفة يتولى توزيعه بنفسه، وأُطلق على عيد الفطر في هذا العهد اسم 'عيد الحلل' بسبب إعداد ملابس للعمال الذين يقومون بصناعة الكعك. كما خُصصت له إدارة حكومية تُسمى 'دار الفطرة' تتولى صناعته وتوزيعه، حيث كان الشعب يقف في طوابير ممتدة أمام القصر ليحصل على نصيبه، ليصبح هذا التقليد متوارثاً وحقاً من حقوق الفقراء. ويُقال إن أشهر سيدة صنعت الكعك في العهد الفاطمي هي السيدة حافظة التي كانت تنقش عليه عبارات مختلفة مثل 'تسلم إيدك يا حافظة' أو 'بالشكر تدوم النعمة'، وكان يُقدم لضيوف الخليفة. ومن أشهر الوقفيات في هذا العهد وقفية الأميرة نتر الحجازية التي كانت تقوم بإعداده وتوزيعه على العاملين بمدرستها عام 748 هجرية.
أخبار ذات صلة
- بورشه تعيد تعريف الفخامة والقوة: SUV بسبعة مقاعد بمحركات V6 وV8 قادمة
- بطولة كرة السلة الجامعية: واشنطن هوكسكي ضد ويسكونسن بادجرز - معاينة وتحليل للمباراة
- جيمس ميلنر: المحترف الدائم الذي أصبح حطم الرقم القياسي في الدوري الإنجليزي الممتاز على مضض
- كومباني يعلن: الفوز بالكلاسيكر "لقب بحد ذاته" وسط رهانات عالية لبايرن ودورتموند
- جوش سارجنت ينضم إلى تورونتو إف سي بعد رحيل 'مؤسف' عن نورويتش سيتي
وفي العصر الأيوبي، ورغم أن صلاح الدين الأيوبي قضى على الكثير من العادات الفاطمية، إلا أنه فشل في القضاء على إعداد وصناعة كعك العيد والحلويات الرمضانية التي ما زالت موجودة إلى يومنا هذا. وفي العهد المملوكي (1250-1517م)، اهتم المماليك وسلاطينهم بصناعة الكعك وقدموه بكثرة للفقراء والمحتاجين ومشايخ الطرق الصوفية والعلماء وطلاب العلم بالأزهر وأئمة المساجد، وكانوا يعتبرونه صدقة تُقدم في عيد الفطر. ثم استمر هذا التقليد في عهد الاحتلال العثماني، ليظل التراث العربي محتفظاً بتلك العادة، وبخاصة في مصر وبلاد الشام، لارتباطها الجغرافي والتاريخي والديني العميق.
تقليد عصي على النسيان:
على الرغم من التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتغيرة، يظل الناس في مصر والكثير من البلدان الإسلامية حريصين على صناعة الكعك والبسكويت ابتهاجاً بعيد الفطر. هذا التقليد الموروث منذ القدم، يظل محفوراً في الذاكرة الجمعية، ويُعد عنواناً كبيراً لدخول العيد في مصر والعالم الإسلامي، مجسداً الفرحة والأصالة والتكافل الاجتماعي عبر الأجيال.