الخميس، ٢٦ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ / 5 نوفمبر 2026 م 11:22 م بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

مبادرة جوزاف عون للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل: هل ترسم خريطة طريق لوقف التصعيد في لبنان؟

في خضم التوتر العسكري المتصاعد بين إسرائيل وحزب الله، تبرز م
استمع للخبر الشرق الأوسط عبد الفتاح يوسف 2026-03-18 14:30 72
مبادرة جوزاف عون للمفاوضات المباشرة مع إسرائيل: هل ترسم خريطة طريق لوقف التصعيد في لبنان؟

مقدمة: سياق المبادرة وأهميتها

في وقت يشهد فيه الشريط الحدودي الجنوبي للبنان تصعيداً عسكرياً متواصلاً بين إسرائيل وحزب الله، يتردد صدى مبادرة سياسية تُنسب إلى قائد الجيش اللبناني، العماد جوزاف عون، تدعو إلى إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل. هذه المبادرة، التي تأتي في خضم حرب غزة وتداعياتها الإقليمية، تُمثّل محاولة من الأوساط الرسمية اللبنانية لوقف التصعيد العسكري الجاري وفتح مسار تفاوضي يهدف إلى تسوية طويلة الأمد. إنها خطوة جريئة، إن صحت الأنباء عنها، في بيئة سياسية شديدة التعقيد، وتثير تساؤلات جوهرية حول واقعيتها، إمكانية تطبيقها، ومآلاتها المحتملة.

إعلان ممول مساحة إعلانية
متجر مصر

من هو العماد جوزاف عون؟

العماد جوزاف عون هو قائد الجيش اللبناني، وهو شخصية عسكرية بارزة تحظى بدعم دولي واسع، وقد طُرح اسمه مراراً كمرشح محتمل لرئاسة الجمهورية اللبنانية، المنصب الشاغر حالياً. ورغم أن منصب قائد الجيش يضعه عادةً بعيداً عن المبادرات السياسية المباشرة ذات الطبيعة التفاوضية مع دولة عدو، إلا أن الوضع الاستثنائي الذي يمر به لبنان، وغياب رئيس للجمهورية، قد يدفعه أو يدفع أطرافاً أخرى لنسب مثل هذه المبادرات إليه، مستندة إلى دوره كمؤسسة ضامنة للاستقرار والممثل الأبرز للدولة في ظل الفراغ. إن إسناد مثل هذه المبادرة إلى شخصية عسكرية بحجم عون يمنحها ثقلاً معيناً، لكنه يضعها أيضاً في مرمى الانتقادات السياسية الداخلية.

أهداف المبادرة: وقف التصعيد والتسوية الشاملة

الهدف المعلن للمبادرة واضح: وقف التصعيد العسكري الذي يهدد بتحويل لبنان إلى ساحة حرب شاملة، وفتح مسار تفاوضي يهدف إلى تسوية طويلة الأمد. هذه التسوية قد تشمل ترسيم الحدود البرية المتنازع عليها، وتطبيق قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، خاصة القرار 1701، وضمان الاستقرار الأمني على جانبي الحدود. إن البحث عن حلول دائمة يعكس إدراكاً لبنانياً للمخاطر الاقتصادية والبشرية التي يفرضها الصراع المستمر، والرغبة في استعادة السيادة الكاملة على الأراضي اللبنانية.

الواقعية السياسية للمبادرة: تحديات داخلية

تُعد الواقعية السياسية لمبادرة كهذه محفوفة بتحديات داخلية هائلة. فلبنان، بطبيعته الطائفية والسياسية المعقدة، يتطلب إجماعاً وطنياً حول أي خطوة تفاوضية مع إسرائيل، وهو أمر يبدو بعيد المنال في الوقت الراهن. حزب الله، اللاعب الأقوى على الساحة اللبنانية والمشارك الرئيسي في الصراع مع إسرائيل، يرفض أي شكل من أشكال التطبيع أو المفاوضات المباشرة خارج إطار الهدنة العسكرية أو التفاهمات غير المباشرة التي ترعاها أطراف دولية. أي مبادرة لا تحظى بموافقة الحزب، أو على الأقل مباركته الضمنية، ستواجه معارضة شرسة وقد تُعتبر خيانة وطنية من قبل بعض الأطراف، مما يهدد بتعميق الانقسامات الداخلية.

الموقف الإسرائيلي والاعتبارات الأمنية

من الجانب الإسرائيلي، فإن الرد على مثل هذه المبادرة سيكون مرهوناً باعتبارات أمنية واستراتيجية بحتة. إسرائيل، التي تخوض حرباً متعددة الجبهات، قد تنظر إلى أي مبادرة لبنانية على أنها فرصة لتأمين حدودها الشمالية، لكنها ستطالب بضمانات قوية تتعلق بنزع سلاح حزب الله أو على الأقل تقليص قدراته العسكرية على الحدود. تاريخياً، لم تكن إسرائيل تميل إلى المفاوضات المباشرة مع لبنان إلا في سياق اتفاقيات الهدنة أو التفاهمات الأمنية المحدودة. إن تحقيق تسوية طويلة الأمد يتطلب تنازلات من الطرفين، وهو ما قد يكون صعباً في ظل المناخ الحالي من انعدام الثقة والعداء المتجذر.

إعلان ممول مساحة إعلانية
إخباري

الدور الإقليمي والدولي

لا يمكن لمبادرة كهذه أن تنجح بمعزل عن الدعم الإقليمي والدولي. الولايات المتحدة، وفرنسا، والأمم المتحدة، جميعها أطراف مهتمة بالاستقرار في لبنان والمنطقة. قد تجد هذه الأطراف في مبادرة عون فرصة لإعادة تفعيل المسار الدبلوماسي، خاصة وأنها تسعى جاهدة لمنع اتساع رقعة الحرب. ومع ذلك، فإن النفوذ الإيراني في لبنان عبر حزب الله يمثل عاملاً حاسماً. أي تسوية لا تراعي المصالح الإيرانية أو لا تحظى بموافقتها، ستواجه عقبات جمة. الدور الإقليمي والدولي سيكون حاسماً في توفير الضمانات اللازمة، والضغط على الأطراف المعنية، وتسهيل أي حوار محتمل.

سابقة المفاوضات والدروس المستفادة

للبنان وإسرائيل تاريخ من المفاوضات غير المباشرة أو التفاهمات التي رعتها الأمم المتحدة أو الولايات المتحدة، أبرزها اتفاقية الهدنة عام 1949، وترسيم الحدود البحرية عام 2022. هذه السوابق تُظهر أن الحوار ممكن، لكنها تُبرز أيضاً مدى صعوبة التوصل إلى اتفاقيات شاملة ودائمة. الدروس المستفادة تشير إلى أن أي تقدم يتطلب وجود وسيط دولي قوي، وإرادة سياسية حقيقية من الطرفين، وقدرة على احتواء المعارضين الداخليين. كما أن التركيز على قضايا محددة وقابلة للحل، مثل ترسيم الحدود، قد يكون مدخلاً أكثر واقعية من السعي لتسوية شاملة دفعة واحدة.

آفاق المستقبل: هل يمكن أن تنجح؟

تبقى آفاق نجاح مبادرة جوزاف عون، إن كانت مطروحة بجدية، معلقة على عدة عوامل. أولاً، قدرة الأطراف اللبنانية على التوافق حول رؤية موحدة للمفاوضات. ثانياً، استعداد إسرائيل للتفاعل بجدية مع مقترح لبناني غير مشروط. ثالثاً، قدرة المجتمع الدولي على توفير الإطار والضمانات اللازمة. في ظل الظروف الراهنة، تبدو المبادرة محفوفة بمخاطر جمة، لكنها في الوقت نفسه تمثل بصيص أمل لكسر جمود الصراع وفتح نافذة للدبلوماسية في منطقة تعاني من ويلات الحروب. قد لا تكون المفاوضات المباشرة هي الخطوة الأولى، بل قد تتطلب تفاهمات غير مباشرة أولاً كبناء للثقة.

خاتمة: طريق محفوف بالمخاطر والآمال

إن مبادرة العماد جوزاف عون، أياً كانت تفاصيلها الدقيقة ومصدرها النهائي، تعكس حاجة لبنان الملحة إلى الاستقرار والسلام. إنها محاولة، وإن كانت جريئة ومحفوفة بالتحديات، لانتشال البلاد من دوامة التصعيد العسكري. الطريق إلى تسوية طويلة الأمد مع إسرائيل سيكون طويلاً وشاقاً، وسيتطلب حكمة سياسية غير عادية، وتضحيات، وتوافقاً وطنياً، ودعماً دولياً. لكن مجرد طرح فكرة المفاوضات، حتى في أشد الأوقات توتراً، قد يكون بداية لتحويل مسار الأحداث نحو مستقبل أكثر استقراراً للبنان والمنطقة.

# لبنان، إسرائيل، جوزاف عون، مفاوضات مباشرة، حزب الله، تسوية طويلة الأمد، وقف التصعيد، الحدود اللبنانية الإسرائيلية
عبد الفتاح يوسف

عبد الفتاح يوسف

رئيس التحرير موثق

صحفي ومبرمج

اقرأ هذا الخبر