إخباري
الأحد ٨ مارس ٢٠٢٦ | الأحد، ١٩ رمضان ١٤٤٧ هـ
عاجل

مقابر الأرقام في غزة: مأساة إنسانية تتفاقم وآلاف العائلات تبحث عن رفات أبنائها

مقابر الأرقام في غزة: مأساة إنسانية تتفاقم وآلاف العائلات تبحث عن رفات أبنائها
Saudi 365
منذ 3 أسبوع
23

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

مقدمة: ملف المفقودين والجثامين المجهولة.. جرح غائر في جسد غزة

يتواصل النزيف الإنساني في قطاع غزة، حيث تتفاقم معاناة آلاف العائلات الفلسطينية التي تجد نفسها محاصرة بين ألم الفقدان ومرارة الانتظار، في ظل ملف المفقودين والجثامين مجهولة الهوية الذي بات يؤرق نحو 9500 أسرة فلسطينية حتى الآن، بحسب مصادر محلية معنية بهذا الملف شديد الحساسية. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائيات، بل هي قصص إنسانية مؤلمة لعائلات لا تزال تتمسك بخيط أمل رفيع في معرفة مصير أبنائها، سواء كانوا أسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي أو شهداء ينتظرون مواراة الثرى بكرامة.

تسليم جثامين دون هوية: سياسة التعتيم الإسرائيلية

في تطور يعكس حجم الأزمة الإنسانية والسياسات الإسرائيلية التي تزيدها تعقيدًا، جرى خلال الأيام القليلة الماضية مواراة جثامين 53 شهيدًا فلسطينيًا، سلمها الاحتلال الإسرائيلي عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر. ومع ذلك، لم يقدم الجانب الإسرائيلي أي تفاصيل تذكر تتعلق بملابسات استشهادهم، أو ظروف احتجاز هذه الجثامين طوال الفترة الماضية، مما يثير تساؤلات جدية حول انتهاكات القانون الدولي الإنساني. هذه العملية تزيد من حالة الغموض والألم لدى ذوي الضحايا، وتحرمهم من حقهم الأساسي في معرفة الحقيقة وتوديع أبنائهم بالشكل اللائق.

لقد أكدت اللجنة المختصة بملف الجثامين مجهولة الهوية وصولها إلى مواقع الدفن برفقة الجثامين والرفات، في ظل غياب مطلق لأي معلومات رسمية من الجانب الإسرائيلي حول هويات الشهداء أو ظروف استشهادهم. هذا النقص في المعلومات يحول دون أي محاولة للتعرف الفوري على الجثامين ويضع عبئًا إضافيًا على الفرق العاملة في غزة.

مجمع الشفاء الطبي: محاولات يائسة للتعرف

منذ نحو أسبوع، تتوافد العائلات الفلسطينية بشكل يومي إلى مجمع الشفاء الطبي، الذي يمثل نقطة الأمل الأخيرة في مسعاها للتعرف على رفات أبنائها. إلا أن المشهد هناك يجسد قسوة الواقع؛ فعمليات التشويه الشديدة التي لحقت بالجثامين، بالإضافة إلى فقدان أجزاء منها، حالت دون التعرف على أي منها. تتحول قاعات المستشفى إلى ساحة لبكاء الأمهات والآباء والأخوة الذين يبحثون عن علامة، عن ملمح، عن أي شيء قد يدلهم على أحبائهم.

وفي محاولة أخيرة، أوضحت اللجنة أن بعض رفات الشهداء تم تصويرها وعرضها عبر شاشات تلفزيونية، أملاً في أن يتمكن ذووهم من التعرف عليها من خلال تفاصيل دقيقة، إلا أن هذه المحاولات لم تسفر عن نتائج ملموسة حتى الآن، مما يعمق من إحساس العائلات بالعجز واليأس.

"مقبرة الأرقام": شاهد على فظاعة الدمار

يتم دفن هذه الجثامين في ما يعرف بـ"مقبرة الأرقام" الخاصة بمجهولي الهوية، الواقعة جنوب مدينة دير البلح. هذه المقبرة ليست مجرد مكان للدفن، بل هي شاهد على حجم الدمار والإهمال. فخلال الأسابيع والأشهر الماضية، تم مواراة أكثر من 450 شهيدًا فلسطينيًا في هذه المقبرة منذ دخول التهدئة حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2025. وبسبب الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية، أنشئت القبور بوسائل بدائية للغاية، باستخدام حجارة ومخلفات من المنازل المدمرة، وسط صعوبات كبيرة تواجه فرق الدفن التي تعمل بإمكانات محدودة.

وتعد هذه الدفعة الأخيرة من الجثامين الأصعب من حيث محاولات التعرف عليها، إذ جرى دفنها داخل أكياس بيضاء، مع ترقيم القبور بدقة، تمهيدًا لإمكانية فحص العينات مخبريًا في المستقبل، حال توفرت الأجهزة اللازمة لإجراء فحوصات الحمض النووي. هذا الإجراء، وإن كان يمثل بصيص أمل، إلا أنه يتطلب إمكانات غير متوفرة حاليًا في القطاع المحاصر.

تحديات التعرف: إمكانات محدودة وجهود مضنية

تصل الجثامين الفلسطينية من الجانب الإسرائيلي مجهولة الهوية، في حين تبذل السلطات في غزة جهودًا مضنية للتعرف عليها بوسائل محدودة وإمكانات بدائية، في ظل عدم توفر الأجهزة التقنية التي تتيح لهم إجراء فحوصات الحمض النووي (DNA) اللازمة. وتشمل الإجراءات المتاحة استدعاء عائلات المفقودين لمحاولة التعرف على الجثامين من خلال علامات ظاهرية مثل الملابس، أو ملامح الجسد كـالطول والبنية والإصابات الظاهرة. هذه الأساليب غالبًا ما تفشل في ظل التشويه الشديد الذي يصيب الجثامين، مما يزيد من إحباط العائلات ويطيل أمد معاناتها.

الاحتجاز الإسرائيلي للجثامين: أبعاد تتجاوز الأرقام

تتجاوز قضية الجثامين المجهولة مجرد أرقام تُعلن؛ فمنذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، تسلمت وزارة الصحة بغزة رفات 414 فلسطينيًا من الجانب الإسرائيلي عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وذلك ضمن صفقة تبادل شملتها المرحلة الأولى من الاتفاق، وفق معطيات الوزارة. وقبل سريان الاتفاق، كانت إسرائيل تحتجز 735 جثمانًا فلسطينيًا فيما يُعرف بـ"مقابر الأرقام"، وفقًا لـ"الحملة الوطنية الفلسطينية لاسترداد جثامين الشهداء والكشف عن مصير المفقودين".

وفضلاً عن الجثامين الـ735، أشارت الحملة إلى تقرير نشرته صحيفة "هآرتس" العبرية في 16 يوليو/تموز الماضي، يفيد بأن الجيش الإسرائيلي يحتجز في معسكر سدي تيمان سيئ الصيت نحو 1500 جثمان لفلسطينيين من غزة، وهي أرقام تثير قلقًا عميقًا وتؤكد على سياسة احتجاز الجثامين كشكل من أشكال الضغط والمعاقبة الجماعية، بما يخالف جميع الأعراف والقوانين الدولية التي تضمن الحق في الدفن الكريم ومعرفة مصير الأبناء.

خاتمة: دعوة للعدالة الإنسانية

إن ملف المفقودين والجثامين مجهولة الهوية في قطاع غزة يمثل مأساة إنسانية عميقة، تتطلب تدخلاً دوليًا عاجلاً ومكثفًا. فالعائلات الفلسطينية، رغم قسوة المشهد وتراكم الصعوبات، لا تزال تأمل في معرفة مصير أبنائها، سواء كانوا أسرى لدى الاحتلال الإسرائيلي أو شهداء، بما يتيح لهم مواراتهم الثرى بالشكل اللائق ومعرفة أماكن قبورهم، لعل في ذلك بصيصًا من السكينة والعدالة الإنسانية التي طال انتظارها.

الكلمات الدلالية: # غزة # جثامين الشهداء # المفقودين # مقابر الأرقام # الاحتلال الإسرائيلي # عائلات فلسطينية # التعرف على الهوية # اللجنة الدولية للصليب الأحمر # مجمع الشفاء الطبي # سدي تيمان