القاهرة - وكالة أنباء إخباري
في خضم انشغال الصحفيين والباحثين بتدقيق آلاف الصفحات من 'ملفات إبستين' التي باتت في متناول العامة، سعياً لاستكشاف أدلة جنائية دامغة، تتجلى حقيقة لا تقبل الجدل: هذه الوثائق كشفت، بتفاصيل قاسية ومروعة، عن الأنشطة السرية لشبكة من النخب العالمية التي طالما بدت بمنأى عن المساءلة. إنها شهادة دامغة على نظام سمح للثراء والنفوذ بالتحول إلى درع واقٍ يحمي من جرائم بشعة، وتُبرز كيف يمكن لقوة المال أن تعمي البصيرة وتُسكت الضمائر.
تقرير موسع نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، استناداً إلى هذه الوثائق، يذهب أبعد من مجرد سرد الأسماء؛ فهو يُفصّل كيف أن نُخباً عالمية مرموقة، تتراوح بين رجال أعمال نافذين وسياسيين ذوي مناصب رفيعة، مروراً بأكاديميين لامعين ونجوم من عالم الفن والترفيه، قد نسجت حول جيفري إبستين، رجل الأعمال المتهم بالاتجار بالقاصرات، شبكة من الحماية والتعاون. كانت هذه البيئة الخصبة التي وفرها له هؤلاء النخب مقابل ما قدمه لهم من مال ونفوذ وخدمات، والتي وصلت في بعض الحالات إلى حد الاستغلال الجنسي البغيض، هي التي مكنته من ممارسة جرائمه لسنوات طويلة دون رادع.
اقرأ أيضاً
- الخميس ٢٧ أغسطس إجازة رسمية بمناسبة المولد النبوي الشريف بدلاً من الثلاثاء ٢٥ من الشهر الجاري
- الرئيس عبد الفتاح السيسى يستعرض ملفات وزارة العدل
- الرئيس السيسى يستقبل كوشنر بالعلمين
- إيقاف جمع البلازما في كندا: تحقيق حكومي ووفيات متبرعين يثيران القلق
- محكمة أونتاريو العليا تسمح بإزالة مسارات الدراجات في تورونتو
حجم تواطؤ النخب: صدمة تتجاوز التوقعات
على الرغم من الكم الهائل من المعلومات التي تم الكشف عنها سابقاً حول ممارسات إبستين، فإن الحجم الحقيقي لتواطؤ النخب في عالمه لا يزال يُشكل صدمة مدوية. تُشير نيكول هيمر، أستاذة التاريخ في جامعة فاندربيلت، في تصريحات نقلتها الصحيفة، إلى أن "حجم تواطؤ النخب في عالم إبستين لا يزال صادماً، رغم كل ما كُشف سابقاً"، مضيفة أن الجمهور بات يرى اليوم "مستوى من الفساد بكامل وضوحه". هذه المراسلات والوثائق المتبادلة لا تكشف فقط عن علاقات عابرة، بل عن شبكة علاقات معقدة ومتجذرة ضمت أسماء من العيار الثقيل، من رؤساء ووزراء ومسؤولين كبار، وهو ما يضع علامات استفهام حول أسس النزاهة في أروقة السلطة والنفوذ.
أسماء بارزة في دائرة الشبهات
القائمة التي كشفت عنها الوثائق تضم أسماءً كانت تعتبر رمزاً للنجاح والنفوذ. فوفقاً للصحيفة، فقد جذبت "مهارات" إبستين اهتمام أغنى رجل في العالم، الملياردير الأمريكي إيلون ماسك، الذي بعث رسالة بريد إلكتروني لإبستين في عام 2012، يسأله فيها بوضوح: "أي يوم أو ليلة ستكون فيها الحفلة الأكثر صخباً على جزيرتك؟". وعلى الرغم من أن ماسك قد صرح لاحقاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأنه كانت له "مراسلات محدودة جداً مع إبستين"، وأنه رفض مراراً تلبية دعوات لزيارة جزيرته الخاصة، فإن مجرد وجود هذا التفاعل يُثير تساؤلات حول طبيعة العلاقات التي كان إبستين ينسجها مع أصحاب النفوذ.
ولم تتوقف قائمة المتورطين أو ذوي الصلة عند هذا الحد. فقد أفاد روبرت دريبر، مراسل صحيفة نيويورك تايمز، في تقريره، بأن إبستين قد تبادل المجاملات والخدمات مع عدد كبير من النخب الأخرى، من بينهم مخرج هوليوود الشهير وودي آلن، والمفكر وعالم اللغة الأمريكي البارز نعوم تشومسكي، والمدعي العام السابق كينيث ستار. وتشمل القائمة أيضاً كاثرين روملر، المستشارة القانونية السابقة للبيت الأبيض في عهد الرئيس باراك أوباما، والتي استقالت مؤخراً من منصبها كمستشارة عامة لشركة غولدمان ساكس وسط تدقيق متزايد في علاقاتها بإبستين، مما يُبرز أن تداعيات هذه الملفات لم تقتصر على الماضي بل تمتد إلى الحاضر.
كما تضمنت الوثائق أسماءً مثل ستيف بانون، أحد أبرز حلفاء ترمب السياسيين، وديباك شوبرا، خبير الطب البديل والتنمية الذاتية الأمريكي، والمنتج السينمائي باري جوزيفسون، ولورنس سامرز، الرئيس السابق لجامعة هارفارد ووزير الخزانة الأسبق. ولم تقتصر هذه الشبكة على الولايات المتحدة، بل امتدت لتشمل شخصيات ملكية وأوروبية، حيث ذكر التقرير الأمير البريطاني أندرو، وسارة فيرغسون دوقة يورك السابقة، ووليّة العهد النرويجية مِتّه ماريت، إلى جانب حشد من كبار عمالقة المال من مختلف أنحاء العالم، مما يؤكد الطبيعة العابرة للحدود لتأثير إبستين وشبكته.
غطرسة النخبة والهروب من المساءلة
في عام 2014، كشفت رسالة إلكترونية كتبها الرئيس التنفيذي السابق لبنك "باركليز" جيمس إي ستالي إلى إبستين عن عقلية مثيرة للقلق داخل هذه الدوائر العليا. فقد ورد في الرسالة أن النخب الأمريكية من "الطبقات العليا" لن تواجه أبداً انتفاضة شعبية كتلك التي حدثت في البرازيل في ذلك العام، والتي كانت ضد قضايا اجتماعية واقتصادية. وزعم رئيس البنك السابق بلهجة متعالية أن الفئات التي يجب أن تثور قد "تم شراؤها عبر الثقافة الاستهلاكية". هذا التصريح يكشف عن نظرة متعالية واستخفاف بقدرة الشعوب على التغيير، ويُشير إلى شعور بالحصانة من المساءلة الشعبية.
على جانب آخر، تُقدم بعض الرسائل الإلكترونية التي وردت في الملفات لمحة مُفزعة عن طبيعة الأنشطة الملتوية التي كان إبستين يديرها. ففي العام نفسه، تلقى إبستين رسالة إلكترونية من شخص حُجبت هويته جاء فيها نصاً: "شكراً على الليلة الممتعة، فتاتك الأصغر سناً كانت مشاغبة قليلاً". وفي رسالة أخرى، طلب إبستين من متلقٍ آخر -حُجبت هويته كذلك- شراء عدد من الألعاب الجنسية، مضيفاً: "أريدك أن تتحدث بأقذر وأفحش وأبدع طريقة ممكنة، هذا سيحرر عقلك"، وهي عبارات تُشير بوضوح إلى الانحرافات الأخلاقية والجنسية التي كانت سائدة في عالمه.
ملفات إبستين ونظريات المؤامرة: ضبابية في البحث عن الحقيقة
من المثير للاهتمام أن الصدمة التي أحدثتها بعض هذه الكشوفات، بالإضافة إلى المكانة والنفوذ الكبيرين للأشخاص المحيطين بإبستين، لم تُسهم في تبديد نظريات المؤامرة التي أثارها سلوكه، بل على العكس، أدت التفاصيل الجديدة إلى موجة محمومة من التكهنات التي تفتقر إلى أساس واقعي، والتي سعت أطراف من اليمين واليسار إلى توظيفها سياسياً. فبعض هذه النظريات، مثل "بيتزاغيت"، التي زعمت وجود شبكة استغلال أطفال ديمقراطية في مطعم بيتزا بواشنطن، وجدت طريقها للعودة إلى الضوء، رغم تفنيدها منذ عام 2016، لمجرد الإشارات المتكررة إلى "البيتزا" في ملفات إبستين، وذلك بالرغم من اختلاف الأماكن والشخصيات تماماً عن تلك الواردة في ملفات إبستين. وهذا يُبرز مدى هشاشة البحث عن الحقيقة في ظل الإثارة الإعلامية والتوظيف السياسي.
الجدل حول وفاة إبستين في السجن عام 2019، التي صُنفت رسمياً على أنها انتحار، تجدد أيضاً بعد نشر سجلات فيديو جديدة أثارت تساؤلات. لكن النائب الديمقراطي رو خانا شدد على ضرورة "عدم الانجرار وراء نظريات غير مثبتة"، داعياً إلى التساؤل: "كيف أنتجنا نخبة بلغت هذا الحد من عدم النضج والتهور والغطرسة؟". من جهتها، رأت النائبة الجمهورية السابقة مارجوري تايلور غرين أن الملفات كشفت "عالماً كنا نعلم بوجوده، لكننا اتُهمنا بنظرية المؤامرة لمجرد الإشارة إليه"، مؤكدة أن أياً من أصدقاء إبستين الذكور لم يُحاسب جنائياً حتى الآن، مما يعزز الشعور بالإفلات من العقاب.
الاستنتاج: نظام سمح بالإفلات من العدالة
في تحليل عميق للوضع، يرى المراسل روبرت دريبر أن جيفري إبستين لم يكن، على الرغم من علاقاته الواسعة والمتشعبة، صانع قرار حقيقياً أو "مُحركاً خفياً" للسياسات الأمريكية. بل كان بالأحرى شخصية انتهازية استغلت ببراعة الثغرات العميقة في نظام اجتماعي وسياسي سمح لنخبة نافذة ومرموقة بالإفلات طويلاً من قبضة العدالة. إن هذه القضية تُعد بمثابة مرآة تعكس أوجه القصور في آليات المساءلة وتكشف عن مدى الهشاشة الأخلاقية التي يمكن أن تتغلغل في أعلى مستويات السلطة والثراء، وتطرح تحدياً حقيقياً لأنظمة العدالة في التصدي لفساد النخب.