المغرب - وكالة أنباء إخباري
في مساء وادع من أمسيات إقليم تنغير بالجنوب الشرقي للمملكة المغربية، حيث تمتد الواحة كذاكرة خضراء محاطة بالصمت الجبلي المهيب، تتشكل حلقة النساء ببطء في المركب الديني والثقافي وسط المدينة. بكلمات أمازيغية مفعمة بالابتهال والرجاء: "الله، الله ربي، الله يا مولانا.. ونزرسنا يسفن القلوب.. أكدي خزر خزبه، رغام وشد ربي" (الله، الله ربي، الله يا مولانا.. نزل علينا مطرا يُصفي القلوب.. انظر إليّ نظرة رحمة، وارزقني بفضلك يا ربي)، تبدأ نساء أغلبهن مسنات في استعادة ترتيب الزمن لا المكان فقط، في طقس روحي واجتماعي متجذر يُعرف بـ "لفديت".
"لفديت": معنى ودلالات
يُشتق لفظ "لفديت" لغويا من الفعل "فدى"، بما يحمله من معنى التحرر والاستخلاص. لا يبدو المشهد اجتماعا عابرا، بل دخولا جماعيا إلى حالة صفاء داخلي يتداخل فيها التبتل إلى الله بالتماسك الاجتماعي. إنه تحرير الشخص من علة أو ضرر معنوي كالخوف أو العين أو الحسد، عبر تحويل ذلك الضرر رمزيا إلى شيء مادي، أو التقرب من الله سبحانه وتعالى بالقرآن والذكر نيلا لرضاه وزهدا في متع الدنيا.
اقرأ أيضاً
- معهد السلام الأمريكي يقاضي لمنع ترامب من وضع اسمه على مقره
- "عراب الذكاء الاصطناعي" يدق ناقوس الخطر: نماذج الذكاء الاصطناعي تهدد بتجاوز السيطرة البشرية
- طيار أمريكي يقفز بالمظلة من مقاتلة "إف-16" محطمة فوق كاليفورنيا
- مذكرات شقيق الأميرة ديانا تكشف تفاصيل صادمة عن رد فعل الملك تشارلز ليلة وفاتها
- الانتخابات البرلمانية الروسية: الملايين يتوجهون للاقتراع وسط غياب المعارضة وتداعيات الأزمة الأوكرانية
تجلس النساء في انتظام دائري محكم، وسبحات أو حصيات صغيرة تتحرك بين الأصابع بإيقاع يشبه نبضا جماعيا يتكوّن تدريجيا، تحرص بعضهن على إخفاء وجوههن حشمة أو خجلا. تتحول اللحظة إلى فضاء معيش للذكر، ولإعادة إنتاج معنى الجماعة في قلب الواحة، حيث تتلاشى الفروقات وتتعزز الروابط.
مجالس السكينة والتماسك الاجتماعي
وسط هذا الحضور الروحي، تبرز إحدى المقدمات (تفقرين نلفديت) زينبة حمدي بوقارها الذي يختصر روح المجلس. تقول للجزيرة نت بصوت هادئ يفيض بالطمأنينة مملوء بدعوات لا تنقطع: "نجلس هنا نذكر الله ونصلي على رسوله ﷺ، وندعو لأنفسنا وللمؤمنات والمؤمنين بالهداية والصلاح". يضفي هذا الكلام العفوي على المجلس أجواء من الروحانية والصفاء، ويظهر ما تحمله أولئك النسوة من شحنات السكينة التي تعينهن على الحياة، ويستمر أثرها قوة داخلية كأنهن لا يُردنها أن تخبو أبدا.
تندرج عادة "لفديت" في هذه المنطقة ضمن الذكر الجماعي ذي الأبعاد الروحية والاجتماعية والهوياتية الأصيلة والمتجذرة عبر الزمن. وهي منظومة رمزية تحمل في داخلها تراكما دينيا وثقافيا يعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والذكر والجماعة. تحرص النسوة في الأحياء والدواوير على الاجتماع كل يوم جمعة للذكر، تؤثث فضاء البيوت التقليدية ابتهالات وأدعية وأمداح نبوية، يحرص محسنون على تمويلها، ليس بتوفير الطعام فقط، بل بتزيين الفضاء بالأواني الفضية والطيب ذي الروائح الزكية، مما يضفي بعدًا احتفاليًا وجماليًا على هذه اللقاءات.
منظومة متكاملة لحفظ الموروث
يؤكد الأستاذ الباحث والمتخصص في تراث الجنوب المغربي الدكتور مولاي أحمد رضا شمولية هذا الموروث في حديث للجزيرة نت، إذ يبرز أنه لا يقتصر على كونه عملا تعبديا بالمعنى الضيق، بل يشكل نظاما متكاملا يجمع بين البعد الديني-الصوفي القائم على "التزكية والتحلية"، والبعد الاجتماعي المتمثل في توطيد العلاقات، والبعد الثقافي الرامي إلى حفظ الموروث وإحياء الذاكرة الواحية في مواجهة رياح العصرنة. وتستمد هذه المجالس مشروعيتها من السنة النبوية، التي جعلت من حلق الذكر "رياضا للجنة"، بما يمنحها شرعية متجذرة في الوعي الديني المحلي.
هذه المجالس ليست مجرد طقوس، بل هي مدارس حية لترسيخ القيم الأصيلة، حيث تتعلم الأجيال الجديدة أهمية الذكر والتواصل الاجتماعي والحفاظ على الهوية الثقافية في بيئة تتسارع فيها وتيرة التغيير. إنها حصن منيع ضد التفكك الاجتماعي والنسيان الثقافي.
إيقاع الذكر ودلالات المكان
"لفديت" يتميز بنظام دقيق تشرف عليه "المقدمة" كبيرتهن سنا، لضبط إيقاع الذكر وتوزيعه، مما يضمن انسيابية الجلسة وتركيز الحاضرات. أما التشكيل المكاني للحلقة الدائرية، فيحمل دلالات المساواة والوحدة، حيث لا فرق بين كبيرة وصغيرة أو غنية وفقيرة، فالجميع سواسية في حضرة الذكر والتقرب إلى الله. هذا الشكل الدائري يعزز الشعور بالانتماء والتلاحم بين المشاركات.
وتوضح للا مليكة الإدريسي، عضو المجلس العلمي المحلي، هذا التدرج الصوتي والنفسي في تصريح للجزيرة نت: "يبدأ الذكر فرديا خافتا بترديد ‘لا إله إلا الله’ باستخدام الحصيات للدخول في حالة خشوع وعزلة روحية داخل الجمع، ثم ينتقل إلى الذكر الجماعي الهمسي. وبمجرد اكتمال حضور القلوب، يتحول الذكر إلى جهر متناغم يحقق ‘الوجد الجماعي’ حيث تهتز الأصوات بإيقاع واحد، وتُشفع التهليلات بالصلاة على النبي ﷺ بصيغها المحلية الفياضة".
وعند بلوغ الذروة، يتردد صدى الأبيات الأمازيغية: "يرتح ينزلما، عليك ينجدولي" (يرتاح البال وينجلي الهم، عليك اعتمادي واتكالي)، وهو المقطع الذي يعكس حالة التسليم المطلق للخالق التي تبلغها النساء في ختام مجالس الذكر، حيث تتجلى قمة الصفاء الروحي والاطمئنان القلبي.
صمام أمان للقيم والهوية
يتجاوز أثر "لفديت" حدود الذكر ليمتد إلى عمق الواحات كصمام أمان للقيم الأصيلة. تبرز النساء هنا حاميات أساسيات لهذا الموروث، ينقلنه من جدة إلى حفيدة بسلاسة تضمن بقاء الذاكرة حية. ويبرز البعد الاجتماعي في دعائهن الصادق للوالدين والأسلاف كما في قولهن: "دولي خلف ربنا، وديت جامل والدينين" (هؤلاء من خلفنا يا ربنا، فاجعل الإحسان والجميل يحيط بوالدينا)، و"جد غيفي صرحمتا مابنيك والديكين" (اجعل رحمتك تحيط بوالدينا). هذه الأدعية تعكس عمق الترابط الأسري والاجتماعي الذي يميز هذه المجتمعات.
في النهاية، لا يمثل "لفديت" مجرد طقس ديني، بل هو تجسيد حي لروح الواحة، حيث تتجلى قوة الإيمان وجمال التراث، وحيث تجد النساء ملاذاً للسكينة الروحية ومصدرًا للقوة لمواجهة تحديات الحياة، مؤكدات بذلك دورهن المحوري في صون الهوية الثقافية للمنطقة.
أخبار ذات صلة
- دليلك الشامل: شروط ترخيص قيادة سيارات نقل الموتى في مصر وفقًا لقانون المرور 1973
- قانون المرور المصري يحدد: شروط صارمة لترخيص قائدي سيارات نقل الموتى
- الإمام الباقلاني: قاضي الإسلام الذي أفحم ملك الروم بحجته العقلية الباهرة
- شتاينماير في بنما: أمريكا اللاتينية ليست حديقة خلفية لأحد
- محمود عزت: تحولات «مرشد الظلام» من مراهقة الاغتراب إلى قيادة تنظيم إرهابي