القاهرة - وكالة أنباء إخباري
الاقتصاد الليبي تحت وطأة الانقسام السياسي وغياب الحوكمة المالية
في تحليل معمق للأوضاع الاقتصادية الراهنة في ليبيا، كشف سعيد محمد ونيس، عضو اللجنة الاقتصادية بالمجلس الأعلى للدولة، عن الأسباب الجذرية التي تعصف بقطاعات البلاد الاقتصادية وتؤدي إلى هشاشتها المستمرة. ويأتي هذا التصريح في وقت تتزايد فيه الضغوط على الاقتصاد الليبي، وسط تحديات سياسية واجتماعية معقدة، حيث أكد ونيس أن المشكلة الأساسية تكمن في التفرد في إدارة الموارد المالية وغياب التنسيق بين السلطات الرئيسية في البلاد. فالتفكك العميق بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، والذي بات سمة مميزة للمشهد السياسي الليبي منذ سنوات، لم ينعكس فقط على الاستقرار السياسي والأمني، بل امتد ليضرب أسس الاقتصاد الوطني.
وأوضح ونيس أن هذا الانقسام الحاد يؤدي إلى تعامل كل سلطة، بل وأحياناً كل جهة داخل السلطة الواحدة، مع موارد البلاد النفطية وغيرها بطرق متوازية ومتنافسة، بعيداً كل البعد عن أي إطار موحد أو تخطيط استراتيجي طويل الأجل. إن غياب الميزانية العامة للدولة، والتي يفترض أن تكون خارطة الطريق لإنفاق الأموال العامة وتحديد أولويات التنمية، يفتح الباب على مصراعيه أمام القرارات الارتجالية والإنفاق غير الرشيد. فبدلاً من توجيه الثروات الوطنية نحو مشاريع تنموية حقيقية، أو الاستثمار في القطاعات الإنتاجية غير النفطية، أو حتى بناء احتياطيات مالية قادرة على امتصاص الصدمات الخارجية، نجد أن الموارد تتبدد في بنود غير ضرورية أو تذهب لتمويل أجندات ضيقة، مما يعمق من مشكلة الاقتصاد المعتمد بشكل مفرط على النفط.
اقرأ أيضاً
- رئيس الوزراء يستعرض محاور جلستي "مسيرة الطاقة المصرية" و"منظومة حماية مجتمعية أكثر فاعلية"
- المنطقة تشتعل..حشد قوات أمريكية جديدة للشرق الأوسط
- اتهموه بالتحرش بطفلته.. مفاجأة تقلب أحداث فيلم حسام أبو المجد «كاميرة فيديو»
- انفجار بمقر الجيش الأثيوبي يهز العاصمة اديس ابابا
- منع ريهام سعيد وياسمين الخطيب من الظهور اعلاميا لمدة شهرين
إن مفهوم الحوكمة الرشيدة، والذي يعد حجر الزاوية في أي اقتصاد مستقر وقوي، يبدو غائباً إلى حد كبير عن المشهد الليبي. فغياب الشفافية في إدارة الأموال العامة، وعدم وجود آليات فعالة للمساءلة والمحاسبة، يشكلان بيئة خصبة للفساد والهدر المالي. ويتجلى هذا الضعف في عدم القدرة على تنفيذ سياسات اقتصادية واضحة ومتماسكة. فكل سلطة تسعى لفرض رؤيتها الخاصة، دون الأخذ في الاعتبار التأثيرات الكلية على الاقتصاد الوطني. وهذا يؤدي إلى تناقضات في السياسات، وتضارب في الأهداف، وعدم القدرة على تحقيق أي نمو اقتصادي مستدام.
يشير ونيس إلى أن هذا الوضع لا يؤثر فقط على إدارة الموارد الحالية، بل يمتد ليؤثر على قدرة ليبيا على استقطاب الاستثمارات الأجنبية، سواء كانت في قطاع النفط والغاز أو في القطاعات الأخرى. فالمستثمر الأجنبي، بطبيعته، يبحث عن بيئة سياسية واقتصادية مستقرة، وقوانين واضحة، وإطار تنظيمي يمكن التنبؤ به. وحين يجد السوق الليبي يعاني من انقسامات حادة، وعدم وجود رؤية موحدة، وغياب الشفافية في إدارة الأموال، فإن خياراته غالباً ما تتبخر، وتتجه استثماراته إلى أسواق أكثر استقراراً وجاذبية. وهذا يحرم الاقتصاد الليبي من رؤوس الأموال والتكنولوجيا والمعرفة التي يمكن أن تساهم في تنويعه وتقويته.
إن هشاشة الاقتصاد الليبي لا تعني بالضرورة غياب الموارد، فليبيا تمتلك ثروات طبيعية هائلة، خاصة في قطاع النفط والغاز. لكن المشكلة تكمن في كيفية إدارة هذه الثروات. فغياب الإدارة الرشيدة، والتخطيط السليم، والتعاون البناء بين السلطات المختلفة، هو ما يحول هذه النعمة إلى نقمة. ويتطلب الخروج من هذا المأزق جهوداً جبارة لإعادة بناء الثقة بين مختلف الأطراف السياسية، ووضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار. كما يتطلب الأمر إصلاحات هيكلية عميقة، تبدأ بوضع آلية واضحة وشفافة لإعداد الميزانية العامة للدولة، وإقرارها، وتنفيذها، ومراقبتها. يجب أن تكون هذه الميزانية أداة لتحقيق التنمية المستدامة، وليس مجرد قائمة ببنود إنفاق عشوائية.
في الختام، يمكن القول بأن تصريحات سعيد محمد ونيس تسلط الضوء على أزمة بنيوية أعمق من مجرد مشكلات اقتصادية عابرة. إنها أزمة حوكمة وإدارة، تتطلب معالجة شاملة وجذرية. فبدون تفعيل آليات المساءلة، وترسيخ مبادئ الشفافية، وتحقيق التنسيق المطلوب بين السلطات، سيبقى الاقتصاد الليبي رهينة للانقسامات السياسية، وعرضة للمزيد من الهشاشة والتدهور، مهما كانت الثروات التي تمتلكها البلاد.
أخبار ذات صلة
- الخاتم الذكي في CES 2024: ثورة التحكم الصحي والرقمي في قبضة يدك
- نظارة ذكية ثورية بتقنية LiDAR تضيء درب المكفوفين في معرض CES
- المجلس الانتقالي الجنوبي: الوحدة اليمنية باتت وهماً.. والمطالبة بها في ظل الحوثي انتحار سياسي
- مستقبل الوساطة السودانية في مهب الريح: رفض الأطراف يهدد الحل الرباعي
- فضيحة "الأمير السعودي المزيف": كيف استغل محتال الفراغ السياسي اللبناني وحساسية العلاقة مع الرياض؟