عالمي - وكالة أنباء إخباري
القانون الدولي للحرب عند "نقطة الانهيار" وسط ارتفاع هائل في أعداد الضحايا المدنيين، دراسة رائدة تحذر
أصدرت دراسة جديدة وشاملة تحذيراً شديد اللهجة: القانون الإنساني الدولي (IHL)، المصمم للتخفيف من الآثار الوحشية للنزاعات المسلحة، يترنح على حافة الانهيار. يكشف تقرير "مراقبة الحرب"، الذي أعدته أكاديمية جنيف المرموقة للقانون الإنساني الدولي وحقوق الإنسان، عن مشهد مدمر حيث تتفشى جرائم الحرب، وينتشر الإفلات من العقاب، وتُفقد أرواح المدنيين على نطاق غير مسبوق في 23 نزاعاً عالمياً. وتشير النتائج إلى أن المبادئ الأساسية التي تهدف إلى حماية غير المقاتلين تفشل، مما يؤدي إلى إعادة تقييم حاسمة لالتزام المجتمع الدولي بهذه الأطر القانونية الحيوية.
الاستطلاع الموثوق، الذي فحص بدقة النزاعات من يوليو 2024 حتى نهاية عام 2025، يرسم صورة قاتمة. ويخلص إلى أن أكثر من 100 ألف مدني قد قتلوا في كل من هذين العامين وحدهما، وهو رقم مذهل يؤكد الفشل العميق في التمسك بقوانين النزاع المسلح. وبعيداً عن الأرقام المجردة، يفصل التقرير نمطاً مقلقاً من الاستهداف المتعمد والتعذيب والعنف الجنسي، الذي غالباً ما يُرتكب مع إفلات شبه كامل من العقاب، مما يثير تساؤلات ملحة حول المساءلة والعدالة في المناطق التي مزقتها الحرب.
اقرأ أيضاً
لم يدخر ستيوارت كيسي-ماس، المؤلف الرئيسي لدراسة "مراقبة الحرب"، جهداً في مناقشة تداعيات هذه النتائج. وقال: "تتكرر جرائم الفظائع لأن الجرائم السابقة تم التسامح معها"، مؤكداً دورة خطيرة من العنف تتفاقم بسبب نقص الإنفاذ الدولي المستمر. وحذر قائلاً: "أفعالنا – أو تقاعسنا – ستحدد ما إذا كان القانون الإنساني الدولي سيختفي تماماً"، مسلطاً الضوء على المستقبل المحفوف بالمخاطر لنظام قانوني بُني بجهد بعد أهوال الحرب العالمية الثانية، ولا سيما من خلال اتفاقيات جنيف لعام 1949، بهدف أساسي هو حماية المدنيين من ويلات الحرب.
يقدم التقرير تفاصيل مروعة من مناطق ساخنة مختلفة. ففي غزة، شهد النزاع الذي دام عامين، والذي بدأ بهجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، غارات جوية إسرائيلية لا هوادة فيها وتوغلات برية أدت إلى خسائر مدنية كارثية. وبحلول نهاية عام 2025، قُتل ما يقدر بنحو 18,592 طفلاً وحوالي 12,400 امرأة. وتشير الدراسة إلى انخفاض مذهل بنسبة 10.6% في إجمالي سكان غزة، أي ما يعادل حوالي 254 ألف شخص، مقارنة بتقديرات ما قبل النزاع، على الرغم من اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025. ويؤكد استمرار العنف بعد وقف إطلاق النار هشاشة جهود السلام والأثر الدائم على المدنيين.
سجلت أوكرانيا أيضاً تصعيداً كبيراً في وفيات المدنيين، حيث بلغ عدد الوفيات المسجلة 2,514 في عام 2025 وحده – بزيادة قدرها 70% عن أرقام عام 2023. وتعزو دراسة "مراقبة الحرب" هذا الارتفاع، جزئياً، إلى هجمات الطائرات الروسية المسيرة المتعمدة التي تستهدف البنية التحتية المدنية، مما أدى إلى فقدان واسع النطاق للكهرباء وغيرها من الخدمات الأساسية لملايين المنازل. ويمثل هذا الاستهداف المتعمد للمواقع غير العسكرية انتهاكاً واضحاً للقانون الإنساني الدولي، المصمم للتمييز بين المقاتلين والمدنيين.
تعد أزمة العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي (SGBV) جانباً آخر مقلقاً للغاية موثقاً في جميع النزاعات التي شملها الاستطلاع تقريباً. وتواجه جمهورية الكونغو الديمقراطية، على وجه الخصوص، "وباءً" من هذا العنف، يرتكبه جميع الأطراف المتحاربة تقريباً. وتتراوح الضحايا، ومعظمهن من النساء والفتيات، في جميع الفئات العمرية، من الرضع إلى كبار السن، مما يسلط الضوء على الطبيعة المنهجية والمدى المدمر لهذه الفظائع. وبالمثل، في السودان، تلى سقوط الفاشر في يد المتمردين في أكتوبر 2025 توثيق عنف جنسي وحشي، حيث روى الناجون حوادث اغتصاب جماعي استمرت لساعات أو أيام، وأحياناً أمام أفراد الأسرة، ارتكبها مقاتلو قوات الدعم السريع. هذه الأفعال ليست مجرد أضرار جانبية ولكنها أدوات حرب متعمدة، مصممة لترهيب السكان وإخضاعهم.
يؤكد مؤلفو تقرير "مراقبة الحرب" أنه على الرغم من أن اتفاقيات جنيف تلزم كل دولة "باحترام وضمان احترام" القانون الإنساني الدولي "في جميع الظروف"، فقد ظهرت فجوة خطيرة بين هذه الالتزامات التعاهدية والواقع المرير على الأرض. هذه الفجوة المتسعة تسهل بشكل مباشر انتشار جرائم الحرب، حيث يواجه الجناة الحد الأدنى من العواقب لأفعالهم. وتتحدى الدراسة بشكل ضمني الإرادة السياسية وآليات الإنفاذ للمجتمع الدولي، مما يشير إلى أن النهج الحالي غير كافٍ لردع الانتهاكات.
واستجابة لهذا الاتجاه المقلق، تؤكد دراسة "مراقبة الحرب" أن "معالجة الإفلات الواسع من العقاب على الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي يجب أن تُعامل كأولوية سياسية". ولمواجهة العدد المتزايد من جرائم الحرب، يقترح مؤلفوها سلسلة من الضمانات الملموسة. وبينما تمتد القائمة الكاملة للتوصيات إلى ما هو أبعد من الملخص الأولي، فإن اقتراحاً رئيسياً يتضمن إدخال وتنفيذ صارم لحظر مبيعات الأسلحة للأطراف التي ترتكب انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي بشكل واضح. وهم يجادلون بأن مثل هذا الإجراء يمكن أن يكون رادعاً قوياً، مما يجبر المتحاربين على إعادة النظر في تكتيكاتهم أو مواجهة تداعيات دبلوماسية ومادية خطيرة. ويعد التقرير بمثابة دعوة حاسمة للعمل، يحث القادة العالميين على تعزيز القانون الإنساني الدولي، وتعزيز المساءلة، وحماية الحقوق الأساسية للمدنيين العالقين في مرمى نيران الحروب الحديثة.