الأربعاء، ١٤ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ / 26 أغسطس 2026 م 10:56 ص بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

"الكبار الخارقون" بذاكرة قوية يمتلكون المزيد من الخلايا العصبية الشابة

دراسة جديدة تكشف عن ارتباط إنتاج الخلايا العصبية بالوظائف ال
استمع للخبر رياضة عبد الفتاح يوسف 2026-03-05 00:21 51
"الكبار الخارقون" بذاكرة قوية يمتلكون المزيد من الخلايا العصبية الشابة

الولايات المتحدة - وكالة أنباء إخباري

"الكبار الخارقون" بذاكرة قوية يمتلكون المزيد من الخلايا العصبية الشابة

كشفت دراسة علمية حديثة عن مفاجأة قد تغير فهمنا لعمليات الشيخوخة المعرفية. فقد وجد باحثون أن كبار السن الذين يتمتعون بذاكرة استثنائية، والذين يُطلق عليهم غالبًا "الكبار الخارقون" (Super Agers)، لديهم عدد ملحوظ من الخلايا العصبية الحديثة النشأة، أو "الخلايا العصبية الشابة"، في أدمغتهم. هذه النتائج، التي نُشرت في مجلة "Nature" المرموقة، تشير إلى أن القدرة المستمرة للدماغ على توليد خلايا عصبية جديدة، وهي عملية تُعرف باسم "توليد الخلايا العصبية" (neurogenesis)، قد تكون مفتاحًا للحفاظ على الذاكرة القوية والوظائف المعرفية السليمة حتى في مراحل متقدمة من العمر.

قام الفريق البحثي بتحليل عينات من أدمغة متوفين، تراوحت أعمارهم من الشباب إلى "الكبار الخارقين" الذين تجاوزوا الثمانين من العمر وما زالوا يحتفظون بقدرات ذاكرة فائقة. وقد لوحظ أن البالغين، سواء الشباب أو كبار السن، الذين يتمتعون بوظائف معرفية صحية، أظهروا مستويات عالية من توليد الخلايا العصبية بالنسبة لأعمارهم. ووفقًا لتقديرات الدراسة، فإن هذه الخلايا العصبية الجديدة تشكل نسبة صغيرة جدًا، تبلغ حوالي 0.01%، من إجمالي الخلايا في منطقة الحصين (hippocampus)، وهي منطقة دماغية حيوية للذاكرة والتعلم.

في المقابل، بدا أن عملية توليد الخلايا العصبية تتعثر لدى الأفراد الذين يعانون من تدهور معرفي، بما في ذلك المصابون بمرض الزهايمر. حيث لاحظ الباحثون عددًا أقل من الخلايا العصبية النامية أو غير الناضجة في عينات أدمغتهم. والمثير لدهشة أكبر، أن مجموعة "الكبار الخارقين" أظهرت عددًا أعلى من الخلايا العصبية غير الناضجة مقارنة بالمجموعات الأخرى، وبشكل ملحوظ أكثر من المصابين بمرض الزهايمر. ومع ذلك، شدد الباحثون على أن أحجام العينات كانت صغيرة نسبيًا، مما يعني أن بعض النتائج قد لا تكون ذات دلالة إحصائية قاطعة.

الدكتورة ماورا بولدريني دوبونت، عالمة الأعصاب والطب النفسي في جامعة كولومبيا بمدينة نيويورك، أشارت إلى أن صغر حجم المجموعات البحثية، التي ضمت كل منها عشرة أفراد أو أقل، يدعو إلى التعامل مع النتائج بحذر. وأضافت أن "هذه النتائج أولية وتتطلب مزيدًا من البحث لتأكيدها على نطاقات أوسع".

من جانبها، أوضحت الدكتورة أورلي لازاروف، عالمة الأعصاب المشاركة في الدراسة من جامعة إلينوي شيكاغو، أن فهم الآليات التي يستخدمها الدماغ لتوليد الخلايا العصبية والحفاظ على الوظائف المعرفية في سن الشيخوخة يمكن أن يساعد الباحثين في تطوير علاجات دوائية تحفز عملية توليد الخلايا العصبية لدى الأفراد الذين يعانون من التدهور المعرفي. هذا التوجه العلاجي يمكن أن يمثل طفرة في التعامل مع أمراض مثل الزهايمر والخرف.

تدعم هذه النتائج الفرضية القائلة بأن أدمغة البشر تستمر في توليد خلايا عصبية جديدة حتى في مرحلة البلوغ، وهي فكرة لم تكن مقبولة عالميًا في الماضي. ففي أوائل القرن العشرين، افترض عالم الأعصاب سانتياغو رامون إي كاخال أن الدماغ البشري لا يمكنه تكوين خلايا عصبية جديدة بعد الولادة. وعلى الرغم من أن الأبحاث اللاحقة أثبتت حدوث توليد الخلايا العصبية خلال الطفولة، إلا أن الاعتقاد السائد ظل يعتبر هذه العملية تتوقف عند هذه المرحلة. "هذا ما كانوا يعلموننا إياه عندما ذهبت إلى كلية الطب"، كما ذكرت الدكتورة دوبونت.

لكن خلال العقود القليلة الماضية، بدأ هذا الاعتقاد الراسخ (dogma) يتعرض للتحدي بفضل أدلة جديدة تدعم حدوث توليد الخلايا العصبية في الحصين لدى البالغين، مما أدى إلى إثارة نقاش مستمر في مجال علم الأعصاب. وبينما يعرف الباحثون أن هذه العملية تحدث في أدمغة بعض الحيوانات البالغة، مثل الفئران والقرود، إلا أنهم لم يتفقوا بشكل كامل على ما إذا كانت تحدث بنفس الوتيرة في أدمغة البشر البالغين. ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى محدودية الأدوات المتاحة لدراسة هذه الظاهرة لدى البشر مقارنة بالحيوانات. ففي الفئران، يمكن للباحثين حقن مواد كيميائية لتتبع ولادة وتطور الخلايا العصبية، وهو ما لا يمكن تطبيقه على البشر الأحياء، كما أوضحت الدكتورة لازاروف.

أحد الأدوات التي استخدمها الباحثون لدراسة توليد الخلايا العصبية لدى البشر هو استخدام الواسمات البروتينية. حيث يمكن استخدام الأجسام المضادة للكشف عن بروتينات معينة تعبر عنها الخلايا الجذعية العصبية (التي يمكن أن تتحول إلى خلايا عصبية) والخلايا العصبية غير الناضجة في عينات الدماغ المتبرع بها. ومع ذلك، أشار الباحثون إلى حجج النقاد بأن هذه البروتينات قد لا تكون محددة بما يكفي، ويمكن أن تعبر عنها أنواع خلوية أخرى غير تلك المشاركة في توليد الخلايا العصبية.

استجابة لهذه التحديات، تحول العلماء إلى تقنية تسلسل الحمض النووي الريبوزي أحادي الخلية (single-cell RNA sequencing) للعثور على واسمات جينية أكثر تحديدًا للخلايا الجذعية العصبية والخلايا العصبية غير الناضجة في الحصين البشري. وفي دراستهم الأخيرة، ذهب الباحثون بقيادة لازاروف أبعد من ذلك، حيث لم يكتفوا باستخدام تسلسل الحمض النووي الريبوزي لتحديد البصمات الجينية لهذه الأنواع الخلوية، بل كشفوا أيضًا عن بصماتها اللاجينية (epigenetic signatures). تشير العلامات اللاجينية إلى تعديلات في الحمض النووي تتحكم في التعبير الجيني. وقد استخدم الفريق اختبارًا يحدد أجزاء من الحمض النووي للخلية تكون مهيأة للتعبير، وذلك لتحديد هذه البصمات. اعتبرت الدكتورة دوبونت أن هذا الاختبار يمثل نقطة قوة في الدراسة.

تختتم الدكتورة لازاروف بالتأكيد على أن الخطوة التالية ستكون فهم وظيفة الخلايا العصبية المتولدة في الدماغ البالغ. "ما نحتاجه هو التحقق الوظيفي لهذه الخلايا، لمعرفة ما تفعله في الدماغ البشري"، وأضافت أن هذا سيتطلب تقنيات تصوير جديدة تكون حساسة بما يكفي للكشف عن هذا النشاط. إن التقدم في هذا المجال قد يمهد الطريق لعلاجات مبتكرة لمواجهة التحديات المعرفية المرتبطة بالشيخوخة والأمراض العصبية.

# توليد الخلايا العصبية # الكبار الخارقون # الذاكرة # الوظائف المعرفية # شيخوخة الدماغ # الزهايمر # مجلة Nature # علم الأعصاب
اقرأ هذا الخبر