إخباري
الأحد ١ فبراير ٢٠٢٦ | الأحد، ١٤ شعبان ١٤٤٧ هـ
عاجل

الولايات المتحدة تعزز نفوذها في البحر الأحمر: زيارة لاندو لأفريقيا تكشف أبعاداً استراتيجية عميقة

جولة نائب وزير الخارجية الأمريكي تشريستوفر لاندو في أربع دول

الولايات المتحدة تعزز نفوذها في البحر الأحمر: زيارة لاندو لأفريقيا تكشف أبعاداً استراتيجية عميقة
Ekhbary Editor
منذ 1 يوم
192

الولايات المتحدة - وكالة أنباء إخباري

الولايات المتحدة تعزز نفوذها في البحر الأحمر: زيارة لاندو لأفريقيا تكشف أبعاداً استراتيجية عميقة

تُلقي الزيارة الأخيرة لنائب وزير الخارجية الأمريكي، كريستوفر لاندو، إلى عدد من الدول الأفريقية المطلة على البحر الأحمر، بظلالها على الأجندة الجيوسياسية لواشنطن في هذه المنطقة الحيوية. ففي الوقت الذي تُعلن فيه الإدارة الأمريكية أن هذه الجولة الدبلوماسية تهدف إلى تعزيز العلاقات الثنائية والشراكات الاستراتيجية، يرى المحللون والمراقبون أن توقيت الزيارة والتركيز على دول مثل مصر وإثيوبيا وكينيا وجيبوتي، يشي بأبعاد أعمق تتعلق بالمصالح الأمريكية المتنامية في ممر البحر الأحمر المضطرب. هذه الجولة، التي امتدت من 24 يناير إلى 1 فبراير، لم تكن مجرد زيارة روتينية، بل كانت إشارة واضحة إلى الأهمية المتزايدة التي توليها الولايات المتحدة لشرق أفريقيا والبحر الأحمر كمسرح استراتيجي متكامل، خصوصًا في ظل التحديات الأمنية المتصاعدة والمنافسة الدولية المحتدمة.

أهداف الزيارة المعلنة والخفية

وفقًا لوزارة الخارجية الأمريكية، تهدف زيارة لاندو إلى تعزيز أولويات الرئيس ترامب المتمثلة في "إعادة التوازن التجاري، وضمان بيئة أعمال إيجابية، وتعزيز الأمن والسلام". غير أن خبراء الشؤون الدولية يرون أن هذه الأهداف المعلنة لا تغطي سوى جزء من الصورة الكبرى. فمن بين الدول الأربع التي زارها لاندو، تُعد ثلاث منها (مصر وكينيا وجيبوتي) جزءًا فاعلًا في القوة البحرية متعددة الجنسيات التي تقودها الولايات المتحدة في البحر الأحمر، والتي نُشرت لمواجهة الهجمات المتزايدة التي يشنها الحوثيون المدعومون من إيران. هذا التوافق ليس صدفة، بل هو تجسيد لنهج استراتيجي مدروس يهدف إلى تثبيت الاستقرار الإقليمي وحماية حرية الملاحة في الممرات المائية الحيوية.

تصاعد التهديدات في البحر الأحمر

تأتي زيارة لاندو في أعقاب تصريحات حادة للمبعوثة الأمريكية نائبة الممثل الدائم للولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، السفيرة تامي بروس، التي وصفت الحوثيين بأنهم "منظمة إرهابية تشكل، بدعم من النظام الإيراني، تهديدًا مستمرًا للاستقرار الإقليمي وحرية الملاحة في البحر الأحمر والممرات المائية المحيطة". هذه التصريحات، إلى جانب الزيارة الدبلوماسية رفيعة المستوى، تؤكد أن واشنطن تنظر إلى نشاط الحوثيين ليس فقط كتهديد محلي، بل كجزء من استراتيجية إيرانية أوسع لزعزعة الاستقرار في منطقة ذات أهمية اقتصادية وعسكرية قصوى. إن حماية هذه الممرات الملاحية، التي تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة العالمية، أصبحت أولوية قصوى للأمن القومي الأمريكي وحلفائه.

البحر الأحمر: مسرح للمنافسة الجيوسياسية

يعتقد بعض المحللين أن هذه الجولة في منطقة البحر الأحمر قد تكون جزءًا من مسعى أمريكا لتعزيز هيمنتها في المنافسة الجيوسياسية على النفوذ العالمي. يشير تشارلز أمو-أغييمانغ، المحاضر البارز في السياسة والعلاقات الدولية بجامعة غانا، إلى أن "الزيارة تشير إلى كيف تنظر الولايات المتحدة إلى شرق إفريقيا والبحر الأحمر كمسرح استراتيجي واحد ومترابط". ويضيف أمو-أغييمانغ في تصريحاته لـ DW، أن "اختيار هذه الدول لم يكن عرضيًا. لقد كان متعمدًا واستراتيجيًا وواعيًا"، مما يؤكد وجود خطة أمريكية واضحة المعالم تتجاوز مجرد العلاقات الثنائية التقليدية.

تُعد منطقة البحر الأحمر، التي تمتد من قناة السويس عبر مضيق باب المندب إلى خليج عدن، شريانًا حيويًا للتجارة العالمية. فهي تغطي ما يقرب من 438,000 كيلومتر مربع وتحد بعضًا من أكثر المناطق اضطرابًا في العالم: القرن الأفريقي، وشبه الجزيرة العربية، والساحل الغربي لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ. وتؤكد المنظمة البحرية الدولية أن مياهها "تشكل أحد أهم الطرق البحرية التي تمكن التجارة العالمية، وتقدم فرصًا هائلة للتنمية والازدهار في المنطقة". على الرغم من دورها الحاسم في التجارة الدولية، تعاني المنطقة أيضًا من تزايد عدم الاستقرار الإقليمي، والصراعات، والقرصنة، والجريمة المنظمة العابرة للحدود، وهي تحديات تلتزم الولايات المتحدة بمعالجتها.

الولايات المتحدة وأفريقيا: إعادة التموضع الاستراتيجي

أكد الجنرال داغفين أندرسون، قائد القيادة الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، الذي رافق لاندو خلال زيارته، أن الزيارة "تُشير إلى استعداد أمريكا للمساعدة في حل التهديدات في منطقة البحر الأحمر". وأشار أندرسون إلى "تهديدات مشتركة هنا في القرن [الأفريقي]، مثل تهديدات الشباب وداعش، والتنسيق عبر البحر الأحمر مع الحوثيين الذين يحاولون زعزعة استقرار المنطقة". هذه التصريحات تبرز الدور الأمني الذي تسعى واشنطن للعبّه، ليس فقط كشريك، بل كقوة رئيسية قادرة على مواجهة التحديات الأمنية المعقدة.

ومع ذلك، يرى البروفيسور إيتسي سيكانكو، عميد كلية الصحافة والدراسات الإعلامية بجامعة الإعلام والفنون والاتصال في غانا، أن توقيت الزيارة يعود إلى تحول في تحالفات القوى العالمية. ويُعرب سيكانكو عن اعتقاده بأن "هناك اعترافًا بأن الولايات المتحدة تفقد سيطرتها داخل القارة، وهناك رغبة معينة للتأكد من أنها تستطيع إعادة إدخال نفسها في العلاقة العالمية فيما يتعلق بأفريقيا". هذا المنظور يشير إلى أن واشنطن تسعى لاستعادة نفوذها في قارة أصبحت ساحة تنافس للقوى الكبرى.

المنافسة الكبرى: الصين والولايات المتحدة في أفريقيا

بالنسبة لأمو-أغييمانغ، فإن أفريقيا تقع بين قوتين عظيمتين. ويلاحظ أن "الولايات المتحدة تعتزم الحفاظ على موطئ قدم استراتيجي على الرغم من الوجود الصيني المتوسع"، مضيفًا أن هناك "الكثير من الاهتمام في العلاقات الدولية بهذا النوع من المنافسة بين القوى العظمى". ومع ذلك، يحذر من "ضرورة توخي الحذر لعدم استخدام أفريقيا كمنصة انطلاق لمنافسة القوى العظمى". هذا التحذير يعكس قلقًا أفريقيًا مشروعًا من أن تصبح القارة مجرد بيدق في لعبة الشطرنج الجيوسياسية الأوسع.

من جانبها، يؤكد الاتحاد الأفريقي أن "أفريقيا والولايات المتحدة يمكنهما بناء شراكة استراتيجية تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والالتزام المشترك بالسلام والاستقرار والازدهار". ولكن الخبراء منقسمون حول ما إذا كانت القارة يمكن أن تستفيد حقًا من هذا الاجداد في الاهتمام الأمريكي. يقترح سيكانكو أن "على الدول الأفريقية إعادة تقييم علاقاتها مع الولايات المتحدة بشروط جديدة وبطرق تعود بالنفع على القارة أيضًا". وهذا يتطلب من القادة الأفارقة تبني نهج استباقي لضمان أن تكون هذه الشراكات قائمة على المنفعة المتبادلة والسيادة، لا أن تكون مجرد استجابة لضغوط القوى الكبرى.

خاتمة: مستقبل الشراكة الأمريكية الأفريقية

في الختام، تُبرز زيارة كريستوفر لاندو إلى أفريقيا التعقيدات المتزايدة للعلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين. فبينما تسعى الولايات المتحدة لتعزيز مصالحها الأمنية والاقتصادية في منطقة البحر الأحمر الاستراتيجية، تواجه تحديات من القوى الإقليمية والدولية. إن قدرة واشنطن على تحقيق أهدافها ستعتمد بشكل كبير على كيفية صياغة شراكاتها مع الدول الأفريقية، مع الأخذ في الاعتبار تطلعات القارة للنمو والاستقرار بعيدًا عن صراعات القوى العظمى. إن مستقبل هذه العلاقات سيتوقف على مدى قدرة الطرفين على بناء جسور من الثقة والتعاون الحقيقي، بما يضمن الأمن والازدهار للجميع في منطقة بالغة الأهمية للعالم أجمع.