القاهرة - وكالة أنباء إخباري
أوروبا في مرمى النيران.. مساعٍ حثيثة لتأمين الملاحة في مضيق هرمز
في خضم الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، يجد الأوروبيون أنفسهم في موقف محرج، يتسم بالشعور بالتهميش والغبن. فالإدارة الأمريكية، التي تقود التحالف ضد طهران، لم تستشر دول الاتحاد الأوروبي أو تطلعها على خططها الحربية، كما أنها لم تضعهم في صورة تطورات المخططات والأهداف الاستراتيجية. ويبلغ هذا الإحساس بالضبابية ذروته مع عدم معرفة دول الاتحاد الأوروبي، وكذلك الدول الأوروبية غير الأعضاء مثل بريطانيا، متى وكيف ستنتهي هذه الحرب، وما هي الشروط التي تتمسك بها واشنطن وتل أبيب لوضع حد لها.
إن انشغال الأوروبيين بهذه الحرب وتبعاتها ليس من باب الفضول، بل هو أمر تقتضيه المصالح الحيوية. فالقارة الأوروبية تربطها بالمنطقة الخليجية علاقات ومصالح عميقة على مختلف الأصعدة الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية والتجارية، لا سيما في قطاع الطاقة. كما أن لهم مصلحة مباشرة في أمن المنطقة، نظراً لاعتماد الطيران الأمريكي على قواعد عسكرية موجودة في أراضيهم أو في قواعد تنتشر خارجها، سواء في المحيط الهندي أو في منطقة الخليج نفسها، مما يجعل أي تصعيد مباشر في المنطقة ذا تداعيات فورية على الأمن الأوروبي.
اقرأ أيضاً
الدور الأوروبي: من الحماية الدفاعية إلى مبادرات القيادة
حتى الآن، اقتصر الدور العسكري الأوروبي على تقديم المساعدة في حماية أجواء ومصالح الدول الخليجية من الهجمات الإيرانية بالمسيرات والصواريخ. وتتولى هذه المهمة بشكل أساسي فرنسا وبريطانيا، اللتان تمتلكان قواعد عسكرية جوية وبحرية في عدد من الدول الخليجية، وترتبط هذه الدول باتفاقيات دفاعية وتعاون عسكري وعلاقات استراتيجية، فضلاً عن المصالح المشتركة.
تعدّ فرنسا وبريطانيا، إلى جانب إيطاليا، الأكثر انخراطاً في المنطقة الخليجية. ومع ذلك، فإن اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، الذي تستخدمه طهران كورقة ضغط رئيسية، وما يترتب على ذلك من ارتفاع أسعار النفط وتأثيره السلبي في الأسواق الأوروبية والعالمية، بالإضافة إلى دفع مؤشرات التضخم إلى الأعلى وإرباك الدورة الاقتصادية، كلها عوامل تدفع الأوروبيين إلى التفكير في انخراط أعمق، ولكن من موقع «دفاعي» محض.
في هذا السياق، أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على هذا التوجه، قائلاً إن هدف الأوروبيين هو «الحفاظ على موقف دفاعي بحت، والوقوف إلى جانب الدول التي تتعرض لهجوم من إيران في ردودها الانتقامية، لضمان مصداقيتنا والمساهمة في خفض التصعيد الإقليمي». وأضاف: «في النهاية نسعى لضمان حرية الملاحة والأمن البحري».
ماكرون يقود المساعي: مهمة بحرية أوروبية مستقلة لمضيق هرمز
ومع ذلك، يظل السؤال المحوري حول طبيعة الخطط الأوروبية لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، والشروط المفترض توفرها لتنفيذ هذه المهمة. يأتي هذا التساؤل في ظل تهديدات الرئيس الأمريكي بشن أقسى الضربات العسكرية إذا أقدمت إيران على إغلاق هذا الشريان الحيوي.
مرة أخرى، يلعب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون دور المحفز الذي يدفع الأوروبيين إلى التحرك. وقد استغل زيارته إلى قبرص لعرض تصوره لهذه «المهمة» التي قد تنطوي على مخاطر، لا سيما في حال وقوع اشتباكات بين القطع البحرية المكلّفة بمرافقة السفن العابرة لمضيق هرمز وبين «الحرس الثوري» والقوات المسلحة الإيرانية.
خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس القبرصي ورئيس الوزراء اليوناني، قال ماكرون: «نحن بصدد إعداد مهمة دفاعية بحتة ومهمة مرافقة بحتة، ويجب أن تُحضَّر بالتعاون مع الدول الأوروبية وغير الأوروبية. وهدفها تمكين مرافقة سفن الحاويات والناقلات بأسرع وقت ممكن، بعد انتهاء المرحلة الأكثر حدة من النزاع، لفتح مضيق هرمز تدريجياً».
كان الرئيس الفرنسي أول من طرح هذه الفكرة، ولإبراز حرصه على قيادة هذه «المهمة»، أوضح ماكرون أن بلاده مستعدة لنشر قطعها البحرية «ما بين شرق المتوسط والبحر الأحمر، وصولاً إلى مضيق هرمز»، بما يشمل 8 فرقاطات، وحاملتي مروحيات برمائيتين، إضافة إلى حاملة الطائرات «شارل ديغول» مع القطع المرافقة لها. هذا التوجه يعكس استعداد باريس لإرسال ما يوازي 80 في المائة من قوتها البحرية إلى مناطق الاشتباك المحتملة.
تحديات وآفاق: نحو تحالف دولي مستقل
وبحسب ماكرون، تجري باريس اتصالات مع الدول الأوروبية لتشكيل هذه «المهمة» البحرية، على أن تأخذ طابعاً دولياً. وترجح مصادر فرنسية انضمام الهند، نظراً لأهمية نفط الخليج بالنسبة إليها. وفي المؤتمر الصحافي نفسه، دعا رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس إلى «مزيد من التضامن الأوروبي» لإنجاز هذه المهام الجديدة.
تستضيف أثينا مقر قيادة «مهمة أسبيدس» الأوروبية التي تقودها إيطاليا، والتي تركز على حماية الملاحة في البحر الأحمر. ويبدو أن التوجه الحالي يقوم على دمج هذه المهمة مع القوة البحرية الجديدة التي يسعى الأوروبيون إلى إطلاقها لحماية مضيق هرمز. ومع ذلك، لم تتضح معالم هذه الخطة بالكامل بعد، وهو ما أقرّ به ماكرون، مشيراً إلى أن «إطار عمل القوة ما زال متحركاً».
سارعت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، إلى التأكيد على استعداد الاتحاد الأوروبي «للتكيف وزيادة تعزيز مهمات الإسناد البحري». وتضم قائمة الدول الأوروبية المرشحة للانضمام إلى هذه القوة، ألمانيا وهولندا وبلجيكا والدنمارك والبرتغال والنرويج وإسبانيا. ويرجح أن تتولى فرنسا قيادة هذه القوة، نظراً لكونها صاحبة المبادرة والأكثر انخراطاً.
ترتبط مهمة حماية الملاحة في مضيق هرمز بنجاح الدول المشاركة في الكشف عن مساهماتها، وتوفر المناخ الملائم لانتشار القوة وبدء مهامها. ويهدف ربط بدء المهام بانحسار المعارك إلى تقليص احتمالات اللجوء إلى السلاح، مع إدراك الأوروبيين لعدم قدرتهم على الانتظار طويلاً نظراً للتبعات الخطيرة لوقف تدفق النفط والغاز على اقتصاداتهم.
وتقول مصادر فرنسية إن تشكيل قوة بحرية بهذا الحجم سيمنحها طابعاً «رادعاً»، مرجحة أن تبدأ مهامها خلال 3 أسابيع. وتسعى باريس إلى أن تبقى هذه القوة «مستقلة بالكامل» عن التحركات الأمريكية لتأمين حرية الملاحة، مع عدم الامتناع عن الرد في حال تعرضها لاعتداءات من الجانب الإيراني.
أخبار ذات صلة
- حماس تصر على دمج عناصرها الأمنية في لجنة إدارة غزة.. واللجنة ترفض بشدة
- لبنان يسجل رقماً قياسياً في توقيف عملاء لإسرائيل وسط تصاعد التوترات الإقليمية
- مقتل سيف الإسلام القذافي.. فراغ سياسي وجدل متجدد في ليبيا
- انتصار أنطونيو سيغورو في البرتغال: رسالة توافقية بوجه اليمين المتطرف ومبعث أمل لأوروبا
- رحيل سيف الإسلام القذافي: نهاية "الخيار الثالث" الليبي وبداية مرحلة جديدة من الصراع