إخباري
السبت ٢١ فبراير ٢٠٢٦ | السبت، ٤ رمضان ١٤٤٧ هـ
عاجل

إيميرالد فينيل وتفسير "مرتفعات ويذرينغ": جرأة مفقودة وعمق غائب

إيميرالد فينيل وتفسير "مرتفعات ويذرينغ": جرأة مفقودة وعمق غائب
Saudi 365
منذ 1 أسبوع
11

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

لطالما كانت رواية إميلي برونتي "مرتفعات ويذرينغ"، بتحولاتها العاطفية العنيفة وشخصياتها المعقدة، مادة خصبة للاقتباسات السينمائية والتلفزيونية. ومع كل إعادة تقديم، يترقب الجمهور والنقاد مقاربة جديدة قد تضيف أبعادًا أو تفسيرات لم تخطر على بال أحد. وفي هذا السياق، جاء الإعلان عن رؤية المخرجة إيميرالد فينيل، المعروفة بأعمالها الجريئة والمثيرة للجدل مثل "امرأة واعدة" (Promising Young Woman) و"سالتبرن" (Saltburn)، بمثابة وعد بقراءة غير تقليدية، تتسم بأسلوب بصري متكلف وشحنة جنسية عالية لعلاقة كاثرين إيرنشو وهيثكليف الأسطورية.

بين الوعد والواقع: بداية مبشرة ونهاية رتيبة

يبدأ الفيلم بداية قد تبدو واعدة للبعض، بمشهد افتتاحية يجمع بين العنف والرمزية الجنسية، حيث يظهر رجل مشنوق بانتصاب ظاهر، فيما تراقب كاثي الصغيرة (تؤدي دورها شارلوت ميلينغتون) المشهد. كان هذا المشهد يمكن أن يكون مؤشرًا مبكرًا لرغبة فينيل في استكشاف ثنائية "الإيروس والثاناتوس" (غريزتي الحياة والموت)، وكيف تتشابك هاتان القوتان لتقودا إلى سلوكيات تدميرية، خاصة عندما يتعلق الأمر بالقلب والتوق الجنسي. لكن سرعان ما يتضح أن هذا الوعد كان مجرد لمحة عابرة، إذ تنزلق فينيل إلى نبرة تتزايد نشازًا، تتأرجح بين السريالي الكوميدي والجدية المبتورة، لتفقد القصة جوهرها العميق وتتحول إلى عرض سطحي.

تستمر الحبكة في التبسيط، فبعد أن يعود والد كاثي (مارتن كلونِس) مصطحبًا فتى شوارع (أوين كوبر) – هيثكليف – تسارع كاثي إلى تبنيه وتصفه بـ"حيوانها الأليف". ومع مرور السنوات وتجسيد مارغو روبي لدور كاثي الأكبر سناً، يتكرر المشهد المألوف: تنكر كاثي حبها لهيثكليف (جاكوب إلوردي) مقابل وعد بحياة مريحة مع جارها الثري إدغار لينتون (شهازاد لطيف). وعندما يسمع هيثكليف تصريح كاثي بأن الزواج منه سيحط من قدرها، يختفي لسنوات، ليعود فجأة أكثر جاذبية وثراءً غامضًا، متزينًا بقرط بحار جريء.

تفسير شخصي يتخلى عن الجوهر

لا شك أن محاولة أي مخرج أو مخرجة تقديم رؤية مختلفة لمادة أدبية استُهلكت اقتباسًا على الشاشتين تستحق الاحتفاء. وقد أكدت فينيل بنفسها أنها أرادت أن يعكس الفيلم الإحساس الذي تركته فيها رواية برونتي عندما قرأتها لأول مرة وهي في الرابعة عشرة من عمرها. وتفسير كهذا، حتى لو كان غير أكاديمي، ليس بحد ذاته مشكلة. لكن المشكلة تكمن في الخيارات التي اتخذتها المخرجة في سبيل تحقيق هذا التفسير: تبسيط الحكاية، والتخلي عن نصف الشخصيات الرئيسية، و"تبييض" الشخصية الرئيسية (هيثكليف) من أبعادها العرقية والطبقية الأصلية، كل ذلك كان له تأثير عميق على فقدان الفيلم لعمقه.

عندما تتخلى فينيل عن الأبعاد العرقية للنص، وتجرده من تعليقه على الطبقة، وتتجاهل موضوع الصدمات العابرة للأجيال المتأصل في الرواية، فقط لبيع فيلمها على أنه جريء ومثير، كان من الأجدر بهذه النسخة أن تذهب بعيداً في هذا الاتجاه، أن تكون فعلاً جريئة ومثيرة. لكن ما يدعو إلى الإحباط هو أن "مرتفعات ويذرينغ" جاء رتيباً ومتحفظاً بشكل مدهش، مما يثير التساؤل عن سر كل تلك الضجة المثارة حوله.

كيمياء مفتقدة وعمق ضائع

على الرغم من وجود ممثلين "محظوظين جينيًا" مثل مارغو روبي وجاكوب إلوردي، اللذين يمتلكان حضورًا جذابًا، فإن فينيل تكتفي بوضعهم في مواقف متكررة من الرغبة السطحية، مثل المشاهد المتكررة لهما وهما يتبللان تحت المطر، أو لقطات جنسية خاطفة لا تحمل أي معنى أو توتر حقيقي. لا يوجد إحساس ملموس بالشوق أو الترقب الذي يجعل العلاقة بين كاثرين وهيثكليف معقدة ومغرية ومدمرة في آن واحد. فالاختزال الجنسي إلى مجرد قوام سائل ومص أصابع متكرر، لا يرقى إلى مستوى الرغبة المكبوتة والعطش الشهواني الذي كان من الممكن أن يستكشفه الفيلم.

يُحسب لروبي وإلوردي أنهما ينجحان في خلق قدر من الكيمياء على الشاشة، لكنها تفتقر إلى التوتر اللازم، لأن شخصياتهما تبدو قريبة جداً من بعضها منذ البداية، فلا يجد المشاهد مدخلاً للتعاطف معهما أو معاداتهما، على عكس الرواية الأصلية التي تجعلنا نشعر تجاههما بالحب والكراهية معًا. فغياب القصص الخلفية التي تجعل من العاشقين التعيسين بطلين متناقضين وساحرين، يتركنا أمام شخصيتين سطحيتين شديدتي الجاذبية فقط، تتسم علاقتهما بالشد والجذب المرهق الذي قد يدفع المشاهد للتمني لو أنه يشاهد فيلمًا أكثر جرأة ووعيًا مثل "نوايا وحشية" (Cruel Intentions).

نقاط مضيئة في بحر من السطحية

على الرغم من الإخفاقات الدرامية، يُحسب للفيلم بعض الجوانب الإيجابية. فمصممة الأزياء جاكلين دوران ومصممة الإنتاج سوزي ديفيز تستحقان الإشادة، حيث تشكل أزياؤهما القصوى وتصميمهما الجريء أبرز عناصر إنقاذ الفيلم. لقد فهمتا تمامًا رغبة فينيل في تقديم خيارات أسلوبية لافتة، ونجحتا في تنفيذها ببراعة. لكن لا يمكن تحميلهما مسؤولية عجز المخرجة عن استخلاص أي جوهر من هذا التصعيد الجمالي، واكتفائها بتقديم عرض استعراضي موجه لوسائل التواصل الاجتماعي.

كما تستحق أليسون أوليفر الإشادة على أدائها المتميز في دور إيزابيلا لينتون، وصيّة إدغار المتحفظة. ولكن، مرة أخرى، تُفسِد فينيل الأمر، فمع روعة أداء أوليفر في الكوميديا، تقفز الشخصية في دقائق من مبتدئة خجولة إلى شخصية "خاضعة" راغبة دون تطور مقنع. وبينما كان من الممكن أن تكون الديناميكية بين هيثكليف وإيزابيلا مستفزة ومقلقة، ينتهي بها المطاف - كما يحدث لكثير من اللحظات الواعدة - إلى مجرد محاكاة ساخرة خاوية.

خلاصة الحكم: إثارة بلا روح

لم يكن مطلوبًا من فيلم "مرتفعات ويذرينغ" أن يكون رصينًا أو وفيًا لأصله الأدبي بحذافيره؛ لكن عندما ينتهي الأمر بتفريغ واحدة من أكثر الروايات عنفًا على المستوى العاطفي من مضمونها، لصالح مغازلة سطحية لعقدة "الكورسيه"، لا ثقل لها ولا عمق، وتشبه إعلانًا لملابس داخلية منجزًا بنصف مجهود، يصبح من المشروع تمامًا التذمر من غياب الجرأة الحقيقية، والحسية، والقلب. إنه فراغ غير مفاجئ تمامًا من مخرجة جردت فيلمها السابق "سالتبرن" من كل ما كان مثيرًا في "السيد ريبلي الموهوب" (The Talented Mr. Ripley)، لنجد أنفسنا أمام مستوى جديد من الملل.

في هذه الصورة، سيكون من الأفضل لعشاق النص الأصلي البحث عن نسخة أندريا آرنولد لعام 2011، التي قدمت مقاربة أكثر صدقًا وعمقًا. أما المراهقون المتعطشون لجرعة من التعلق التدميري بين شخصيتين فوضويتين مشحونتين جنسيًا، فيمكنهم الاتجاه لاكتشاف "نوايا وحشية" (Cruel Intentions)، الذي يقدم جرأة وفهماً أعمق لمادته، بل وحتى الموسيقى التصويرية هناك أفضل.

الكلمات الدلالية: # إيميرالد فينيل # مرتفعات ويذرينغ # رواية قوطية # مراجعة فيلم # مارغو روبي # جاكوب إلوردي # أدب كلاسيكي # اقتباس سينمائي # تحليل نقدي # أفلام 2024 # دراما رومانسية