الجمعة، ١٦ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ / 28 أغسطس 2026 م 06:48 ص بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

اكتشاف الكربون-14 يفتح نافذة على الحضارات القديمة

قصة علمية: كيف غير اكتشاف نظير مشع التاريخ في 27 فبراير 1940
استمع للخبر رياضة عبد الفتاح يوسف 2026-02-28 15:52 59
اكتشاف الكربون-14 يفتح نافذة على الحضارات القديمة

الولايات المتحدة - وكالة أنباء إخباري

اكتشاف الكربون-14: مفتاح فهم الحضارات المفقودة

في 27 فبراير 1940، وفي خضم التطورات العلمية التي شهدها القرن العشرين، تمكن عالمان في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، من تحقيق إنجاز غير حياتنا وفهمنا للماضي بشكل جذري. مارتن كامن وصامويل روبن، بتحفيز من إرنست لورانس، مؤسس مختبر بيركلي، نجحا في عزل وتحديد نظير الكربون المشع المعروف باسم الكربون-14 (¹⁴C). لم يكن هذا الاكتشاف مجرد إضافة إلى الجدول الدوري للعناصر، بل كان بمثابة فتح باب سري لطالما أغلق أمام البشرية، باب يقود إلى فهم أعمق للحضارات القديمة وتاريخها.

بدأت القصة قبل سنوات، في منتصف الثلاثينيات، عندما افترض العلماء وجود نظير للكربون يحتوي على نواتين إضافيتين مقارنة بالكربون الأكثر شيوعًا (الكربون-12). كان الاعتقاد السائد أن هذا النظير، لو وُجد، فسيكون قصير العمر لدرجة استحالة قياسه أو اكتشافه. لكن إرنست لورانس، برؤيته الثاقبة وتصميمه على دفع حدود المعرفة، كلف كامن وروبن بمهمة صعبة: البحث عن هذا الأثر العنيد. بعد عام من الجهود المضنية دون جدوى، قرر العالمان في يناير 1940 تجربة يائسة.

وضع كامن وروبن عينة من الجرافيت، وهو شكل بلوري للكربون، داخل جهاز السيكلوترون، أحد أقدم مسارعات الجسيمات. قام الجهاز بقصف العينة بجسيمات الديوتيرون، وهي أنوية ثقيلة من الهيدروجين. كانت الفكرة هي أن يمتص الكربون هذه النيوترونات الإضافية، ويطلق بروتونًا، ليتحول إلى نسخة أثقل من الكربون. استمرت التجربة 120 ساعة متواصلة. في 15 فبراير، وبعد سهر طويل، أوقف كامن القصف بالديوتيرون متوجهًا إلى منزله، لدرجة أن الشرطة اشتبهت به لفترة وجيزة لكونه قاتلًا هاربًا بسبب مظهره المنهك.

عند عودته إلى المختبر، لاحظ روبن وجود علامات خافتة للإشعاع في العينة. على مدار الأسبوعين التاليين، عملا على تنقية الكربون وتحويله إلى غاز ثاني أكسيد الكربون، مما سمح بقياس نشاطه الإشعاعي بدقة باستخدام عداد جيجر. كانت المفاجأة الكبرى عندما وجدوا أن الكربون-14 لم يكن قصير العمر كما كان متوقعًا. في ورقة بحثية نشرت في 15 مارس 1940، كتب الباحثان: "المقطع العرضي المقاس، مقترنًا بالإنتاج المنخفض، يشير إلى أن عمر النصف طويل جدًا (سنوات)".

تشير القياسات إلى أن نصف كمية الكربون-14 تتحلل إلى نيتروجين-14 في حوالي 4000 عام (ونحن نعلم الآن أن عمر النصف يبلغ حوالي 5730 عامًا). أدرك العالمان فورًا أهمية اكتشافهما. "الكربون المشع طويل العمر سيكون ذا أهمية كبيرة للعديد من التجارب الكيميائية والبيولوجية والصناعية"، كما ورد في ورقتهما. في السنوات اللاحقة، استخدم كامن وروبن هذا النظير لفهم عملية التمثيل الضوئي بشكل أفضل. لكن القدر لم يمهل روبن طويلاً، حيث توفي في حادث معملي عام 1943. أما كامن، فقد واجه صعوبات مهنية وشخصية في ظل أجواء الحرب الباردة والاضطهاد السياسي، حيث تم فصله من بيركلي واستُدعي للإدلاء بشهادته أمام لجنة الأنشطة غير الأمريكية.

على الرغم من أن الآثار الفورية لاكتشاف الكربون-14 كانت واضحة في الأوساط العلمية، إلا أن التطبيق العملي الكبير لم يظهر إلا في عام 1949. في ذلك العام، أثبت جيمس أرنولد وويلارد ليبي، من جامعة شيكاغو، أن نسبة الكربون-14 إلى الكربون المستقر يمكن استخدامها لتقدير أعمار القطع الأثرية التي تحتوي على الكربون. هذا المبدأ، المعروف الآن باسم التأريخ بالكربون المشع، أحدث ثورة في علم الآثار. أصبح بإمكان علماء الآثار تقدير عمر الهياكل العظمية القديمة والتحف التي يصل عمرها إلى 50,000 عام بدقة مذهلة. لم يقتصر الأمر على ذلك، بل تطورت التقنيات لتحليل نظائر مشعة أخرى مثل السترونشيوم والرصاص، مما سمح بفهم أعمق لمواقع حياة البشر القدماء، نظامهم الغذائي، وحتى الملوثات التي تعرضوا لها.

اكتشاف كامن وروبن، الذي بدأ كتجربة يائسة في مختبر صغير، تحول إلى أداة لا تقدر بثمن فتحت عصورًا جديدة في فهمنا لتاريخ البشرية. إنه يجسد قوة الفضول العلمي والمثابرة في الكشف عن أسرار الكون، وربطنا بماضينا بطرق لم نكن نحلم بها.

# الكربون-14 # تاريخ العلم # علم الآثار # التأريخ بالكربون المشع # الاكتشافات العلمية # مارتن كامن # صامويل روبن # إرنست لورانس # بيركلي
اقرأ هذا الخبر