إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
--° القاهرة

الإعلام الرقمي وسلاح العنف: «ميدان» نموذجًا لاستغلال المحتوى التحريضي

اعترافات قيادي إرهابي ومسلسل درامي يكشفان استراتيجية توظيف ا
استمع للخبر عبد الفتاح يوسف 2026-04-15 22:37 3
الإعلام الرقمي وسلاح العنف: «ميدان» نموذجًا لاستغلال المحتوى التحريضي

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها أدوات التأثير في العصر الحديث، لم يعد الإعلام مجرد وسيلة تقليدية لنقل المعلومات والأخبار، بل تحول إلى سلاح استراتيجي فائق الأهمية، يُستخدم ببراعة في توجيه الرأي العام وصياغة الوعي الجمعي. هذا التحول الجوهري أدركته الجماعات المتطرفة مبكرًا، فعملت على استغلاله وتوظيفه ضمن منظومتها الأيديولوجية والتنظيمية، متجاوزة بذلك الأساليب التقليدية للتحريض والتجنيد، وهو ما يتجلى بوضوح في نموذج حركة «ميدان».

«ميدان» واستراتيجية المحتوى الرقمي

تكشف المعطيات الأخيرة، المستندة إلى ما عرضه مسلسل «رأس الأفعى» وما أكدته اعترافات القيادي الإرهابي علي عبد الونيس، أن حركة «ميدان» لم تقتصر في عملياتها على العمل الميداني المباشر فحسب، بل أولت اهتمامًا بالغًا للمحتوى الرقمي. لقد اعتبرت هذا المحتوى أداة أساسية وضرورية لتمهيد الأرض لأي تحرك على أرض الواقع، سواء كان ذلك التحرك مظاهرات أو أعمال عنف أو حتى عمليات إرهابية. لم يكن هذا المحتوى مجرد منشورات عشوائية، بل تم تصميمه بعناية فائقة وتخطيط محكم ليؤدي دورًا مزدوجًا وخطيرًا في آن واحد.

الدور المزدوج للمحتوى التحريضي

يتمثل الدور الأول لهذا المحتوى في التأثير العميق في وعي الجمهور، خاصة الفئات الشابة الأكثر عرضة للتأثر. يتم ذلك من خلال نشر أفكار تشكك بشكل منهجي في مؤسسات الدولة ورموزها، وتزرع بذور الشك في قدرتها على إدارة شؤون البلاد. وفي الوقت نفسه، تطرح هذه الجماعات بدائل تبدو في ظاهرها ثورية ومنادية بالتغيير والإصلاح، ولكنها في جوهرها تحمل مبررات خفية ومباشرة للعنف والتطرف، وتهدف إلى زعزعة الاستقرار المجتمعي.

أما الدور الثاني، فلا يقل خطورة، حيث يتمثل في خلق بيئة حاضنة ومتقبلة للعناصر المنفذة للأعمال التخريبية والعنيفة. يتم ذلك عبر تقديم هؤلاء الأفراد في صورة «مناضلين» يدافعون عن قضايا محقة، أو «ضحايا» لظلم مجتمعي أو سياسي مزعوم. هذا التقديم المضلل يهدف إلى التقليل من حدة الرفض المجتمعي لأفعالهم الإجرامية، بل وقد يسعى إلى كسب تعاطف شريحة من الجمهور معهم، مما يسهل عليهم التحرك والتجنيد دون مقاومة مجتمعية كبيرة.

«مؤسسة ميدان» كحلقة وصل

وفقًا لما ورد في اعترافات «عبد الونيس»، لعبت «مؤسسة ميدان» دور الوسيط المحوري بين هذا المحتوى الرقمي المصمم بعناية والعمل المسلح على الأرض. كانت المؤسسة تعمل بشكل منهجي على إنتاج وترويج المواد الإعلامية التي تخدم أهداف التنظيم الإرهابي، وذلك بالتوازي مع الأنشطة الميدانية الأخرى. هذا التكامل بين الجناح الإعلامي والجناح المسلح يبرز مدى التخطيط الاستراتيجي الذي تتبعه هذه الجماعات.

البودكاست: أداة للتغلغل الناعم

لم تكتفِ الجماعات المتطرفة بالمنشورات ومقاطع الفيديو، بل تم استخدام البودكاست كأداة رئيسية وفعالة في هذا السياق. يوفر البودكاست مساحة أوسع للنقاش والتحليل المتعمق، وهو ما يسمح بتمرير الأفكار المتطرفة بشكل غير مباشر وأكثر سلاسة، ويمنحها قدرًا أكبر من القبول لدى المستمعين. هذه الحلقات لم تكن مجرد برامج صوتية عادية، بل كانت جزءًا لا يتجزأ من خطة أوسع وأكثر تعقيدًا تستهدف إعادة تشكيل وعي المستمعين تدريجيًا، وغرس الأفكار المتطرفة في عقولهم دون أن يدركوا ذلك بشكل مباشر.

التأثير التراكمي وتجنيد الشباب

الأخطر في هذا النوع من المحتوى الرقمي أنه لا يكتفي بالتأثير اللحظي أو السريع، بل يعتمد على مبدأ التراكم. يتم بناء القناعات المتطرفة تدريجيًا، خطوة بخطوة، من خلال التعرض المستمر لنفس الرسائل والأفكار، حتى وإن اختلفت طرق تقديمها أو تنوعت المنصات التي تبثها. هذا التعرض المستمر يخلق قناعات راسخة يصعب تغييرها بمرور الوقت.

كما أشار «عبد الونيس» في اعترافاته إلى أن حركة «ميدان» كانت تستهدف بشكل خاص الشباب القادرين على التفاعل النشط مع هذا المحتوى. هؤلاء الشباب لا يقتصر دورهم على مجرد تلقي المحتوى، بل يمتد إلى إعادة نشره وتوزيعه على نطاق واسع، أو حتى إنتاج محتوى مشابه يعزز الرسائل الأساسية للتنظيم. هذا التفاعل النشط يساهم بشكل كبير في توسيع دائرة التأثير للجماعات المتطرفة، وتحويل الشباب من مجرد متلقين إلى عناصر فاعلة في نشر أفكار العنف والتطرف.

# الإعلام الرقمي # العنف # الجماعات المتطرفة # ميدان # المحتوى التحريضي # الإرهاب # توجيه الرأي العام # الشباب
اقرأ هذا الخبر