القاهرة، مصر - وكالة أنباء إخباري
شهدت الأسواق المصرية تحولات اقتصادية دراماتيكية خلال الأيام الماضية، حيث واصل الجنيه المصري تراجعه اللافت أمام الدولار الأمريكي والعملات الأجنبية الأخرى. ففي يوم الخميس، بلغ سعر صرف الدولار 27.07 جنيهًا للشراء و27.16 جنيهًا للبيع، وفقًا للبيانات الصادرة عن البنك المركزي المصري. هذا التراجع، الذي جاء بعد انخفاض بنسبة 7% تقريبًا في بداية تعاملات الأربعاء، يعكس تبني البنك المركزي لسياسة سعر صرف مرن مستدام، وهو ما يتوافق مع متطلبات صندوق النقد الدولي.
تحركات البنك المركزي وتأثيرها على العملة
أرجع خبراء اقتصاديون أسباب الانخفاض المتجدد للجنيه إلى هذا التحول في السياسة النقدية. ترى آية زهير، رئيس قسم البحوث بشركة "زيلا كابيتال" للاستشارات المالية، أن قرار تبني نظام سعر صرف مرن هو قرار منطقي ومتوقع. ويهدف هذا الإجراء بشكل أساسي إلى القضاء على السوق الموازية للدولار، التي كانت تشكل ضغطًا كبيرًا على الاقتصاد الوطني وتعيق تدفقات الاستثمار الأجنبي.
اقرأ أيضاً
- الذكاء الاصطناعي يهدد الحكومات خلال أشهر وفق تحذير استخباراتي دولي
- قتيلان وجريحان بإطلاق نار في حي يهودي بمونتريال الكندية
- إيران تشتكي الفيفا من تمييز أمريكي ضد منتخبها بكأس العالم 2026
- استقالة كير ستارمر: فخ داونينج ستريت يبتلع خلفه المحتمل
- عميد جامعة أمريكية ينتزع علماً فلسطينياً من طالبة بحفل تخرج يثير الغضب
بالإضافة إلى ذلك، أشار الخبراء إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن حزمة إصلاحات أوسع تهدف إلى استقرار الاقتصاد الكلي. ويتوقع أن تساهم في تعزيز ثقة المستثمرين الأجانب والمؤسسات الدولية في قدرة مصر على إدارة تحدياتها الاقتصادية.
البورصة المصرية تسجل مستويات قياسية
على الرغم من تراجع قيمة الجنيه، شهدت البورصة المصرية أداءً استثنائيًا، محققة مستويات قياسية بالعملة المحلية. فقد تجاوز رأس المال السوقي للبورصة تريليون جنيه لأول مرة في تاريخه خلال جلسة تداول الأربعاء، ليصل إلى 1.013 تريليون جنيه، متجاوزًا بذلك الرقم القياسي السابق المسجل في أبريل 2018. كما ارتفع عدد العمليات المنفذة إلى أكثر من 115 ألف عملية، وهو رقم غير مسبوق.
عزا وائل عنبة، خبير أسواق المال، هذا الارتفاع القياسي إلى تحريك سعر الجنيه أمام الدولار. وأوضح أن الأسهم تعكس انخفاض قيمة الجنيه، مما يدفع المستثمرين المحليين إلى البحث عن أصول تحافظ على قيمتها في ظل التضخم. وتجاوز المؤشر الرئيسي للبورصة مستوى 16 ألف نقطة، مما يؤكد قوة الدفع الحالية للسوق.
شهادات ادخار بعائد 25% لمواجهة التضخم وجذب الدولار
في خطوة متزامنة، طرح بنكا مصر والبنك الأهلي المصري، وهما من أكبر البنوك الحكومية، شهادات ادخار جديدة لأجل عام واحد بفائدة غير مسبوقة بلغت 25% تصرف في نهاية مدة الشهادة، أو بعائد 22.5% يصرف شهريًا، وذلك اعتبارًا من 4 يناير. ترى آية زهير أن هذه الشهادات ذات العائد المرتفع تهدف إلى جذب مدخرات المواطنين والحد من زيادة التضخم المتوقعة خلال الفترة المقبلة، بالإضافة إلى سحب السيولة من السوق.
من جانبه، قلل وائل عنبة من تأثير هذه الشهادات على أداء البورصة المصرية على المدى الطويل، مشيرًا إلى أنها تستهدف بشكل أساسي حاملي الدولار والمضاربين عليه، لتشجيعهم على تحويل عملاتهم الأجنبية إلى الجنيه وشراء هذه الشهادات. وأكد على أهمية السماح للأجانب بشراء هذه الشهادات لجذب المزيد من السيولة الدولارية، خاصة وأن عائدها معفى من الضرائب، على عكس أذون وسندات الخزانة التي تخضع لضريبة بنسبة 20%.
وقد أكد البنك الأهلي المصري في بيان له أن إصدار هذه الشهادات الجديدة يستهدف المصريين والأجانب على حد سواء، مما يعزز من فرص جذب العملة الصعبة.
تحديات اقتصادية وتوقعات مستقبلية
تتوقع آية زهير أن يواصل سعر الجنيه انخفاضه خلال الفترة المقبلة حتى يستقر عند "السعر العادل" الذي يتراوح بين 25-28 جنيهًا للدولار، بغض النظر عن تحركات سعر الدولار في السوق الموازية. وشددت على ضرورة أن يوفر البنك المركزي سيولة دولارية كافية عقب قراره بإلغاء نظام الاعتمادات المستندية في تمويل عمليات الاستيراد، والذي كان قد طبقه منذ مارس الماضي لترشيد الاستيراد في ظل نقص الدولار.
كما أشارت زهير إلى احتمالية تحريك أسعار المنتجات البترولية بشكل تدريجي خلال الفترة المقبلة، خاصة مع انعقاد لجنة التسعير التلقائي للمواد البترولية في الأسبوع الأول من يناير لتحديد الأسعار بناءً على تحركات الأسعار العالمية وسعر صرف الجنيه. وقد سبق أن رفع البنك المركزي سعر الفائدة في اجتماعه الأخير الشهر الماضي، مما يزيد من الضغوط التضخمية.
أخبار ذات صلة
وعلى الصعيد العالمي، ترى آية زهير أن عام 2023 قد يشهد انكماشًا اقتصاديًا عالميًا، مما سيؤثر على توسعات الشركات محليًا وعالميًا. وبالتالي، فإن طرح شهادات ادخار مرتفعة العائد لن يؤثر كثيرًا على أداء الاقتصاد المنكمش بالفعل، ولكنه يمثل أداة لسحب السيولة والتحكم في التضخم.
وفي سياق متصل، أظهرت بيانات البنك المركزي المصري ارتفاع صافي الاحتياطيات الدولية إلى 34 مليار دولار بنهاية ديسمبر 2022، بزيادة قدرها 500 مليون دولار عن نوفمبر السابق، مما يوفر بعض الدعم للاقتصاد في هذه المرحلة الحرجة.
يظل المشهد الاقتصادي المصري تحت المراقبة الدقيقة، مع ترقب لمدى نجاح السياسات النقدية الجديدة في تحقيق الاستقرار المنشود وجذب الاستثمارات اللازمة لتحقيق النمو المستدام.