إسبانيا - وكالة أنباء إخباري
الصين تعزز دبلوماسيتها الأيديولوجية في إسبانيا استعداداً لزيارة رئيس الحكومة الرابعة لرئيس الوزراء
تتجاوز الدبلوماسية الصينية في إسبانيا القنوات الرسمية المعروفة، حيث يلعب قسم آخر، أقل شهرة ولكنه حاسم، دوراً محورياً في تعزيز نفوذ بكين على الساحة الدولية. هذا القسم هو الإدارة الدولية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني (PCCh)، وهو ليس هيئة حكومية بل جزء من الحزب الحاكم المهيمن.
تتمثل مهمة هذا القسم في بناء علاقات متينة مع مختلف الأحزاب السياسية والحكومات والنخب ذات السلطة حول العالم، وغالباً ما تعمل هذه الجهود بشكل مستقل، بل وأحياناً تسبق، الدبلوماسية المؤسسية التقليدية. يهدف الحزب الشيوعي الصيني من خلال هذه الاستراتيجية إلى توسيع دائرة تأثيره وتشكيل سردية إيجابية عن الصين كقوة عالمية مستقرة وموثوقة.
اقرأ أيضاً
- ترامب وكوهين: تقارب مفاجئ يكسر سنوات العداء ويشعل التساؤلات
- ميناء سيدي كرير: بوابة مصر النفطية البديلة لتحديات الملاحة العالمية
- الأبيض السودانية: تصعيد عسكري ونزوح جماعي وسط ضغط على الفرقة الخامسة
- الإعلامي أحمد موسى: رحلة الإعلام المثيرة والجانب الذي لا يعرفه الكثيرون
- بكين تستضيف قمة عالمية لدفع عجلة الروبوتات التجارية والصناعية
في أواخر الشهر الماضي، قاد ما هوي، نائب وزير هذا القسم، زيارة إلى إسبانيا على رأس وفد رفيع المستوى من المسؤولين الصينيين. ولم يكن لقاؤه الأول مجرد إجراء بروتوكولي، بل كان مع شخصية معروفة في الأوساط السياسية الإسبانية والصينية على حد سواء، وهو الرئيس السابق خوسيه لويس رودريغيز ثاباتيرو، الذي يُعتبر الوسيط الإسباني الأكثر تواصلاً مع بكين.
يتمتع ما هوي، وهو دبلوماسي مخضرم شغل منصب سفير في كوبا، بعلاقة وثيقة مع ثاباتيرو تمتد لسنوات، سواء في مدريد أو بكين، حيث يظهر ثاباتيرو بشكل متكرر في منتديات ومؤتمرات ترعاها مؤسسات مرتبطة بالحزب الشيوعي الصيني. وتُظهر التقارير الرسمية الصينية، مثل تلك التي نشرت في يوليو 2024، اجتماعات بين ما هوي وثاباتيرو، بحضور السفير الإسباني في الصين، مارتا بيتنزوس، ما يعكس مدى تداخل الدبلوماسية الرسمية وشبكات التأثير الحزبية عندما يتعلق الأمر بالحزب الشيوعي الصيني.
يأتي هذا النشاط الدبلوماسي الموازي بينما يستعد رئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، لزيارته الرابعة إلى الصين، والمقررة بين 13 و 15 أبريل. تهدف هذه الزيارة إلى تعزيز الاستثمارات وجذب الشركات الإسبانية إلى السوق الصينية، مما يعكس الأهمية الاستراتيجية للعلاقات الثنائية بين البلدين.
لا يقتصر نشاط الإدارة الدولية للحزب الشيوعي الصيني على العلاقات الوثيقة مع الحكومة الحالية أو شخصيات مثل ثاباتيرو. فالقسم يحافظ على قنوات اتصال مع أكثر من 600 حزب ومنظمة عبر القارات، تتراوح بين الأحزاب الشيوعية والاشتراكية الديمقراطية وصولاً إلى الأحزاب المحافظة والقومية. لا يبحث الحزب عن تشابه أيديولوجي بقدر ما يسعى إلى الوصول والتفاعل والتأثير على صانعي القرار الحاليين والمحتملين. وفي نظام يكون فيه الحزب فوق الدولة، يمتلك هذا القسم سلطة كبيرة.
خلال زيارته إلى مدريد، التقى ما هوي أيضاً بقيادات من الحزب الشعبي، بما في ذلك ألبرتو نادال، نائب الأمين العام، وإيلديفونسو كاسترو، أمين العلاقات الدولية. كما عقد اجتماعات مع إنريكي سانتياغو، الأمين العام للحزب الشيوعي الإسباني، ومع نائب رئيس برلمان قشتالة لا مانتشا، سانتياغو لوكاس توريس. وشملت الأجندة زيارة إلى برشلونة، حيث التقى بمسؤولين في الحكومة الإقليمية الكتالونية.
أحد المحاور الرئيسية لزيارة ما هوي، وفقاً لمصادر دبلوماسية، كان تقديم خطة بكين الخمسية القادمة، التي تحدد خارطة الطريق للتنمية الاقتصادية والاجتماعية للصين للفترة من 2026 إلى 2030. تتميز الصين بنظام تخطيط مركزي مستمر لأكثر من سبعة عقود، مع قدرة على التكيف والتطوير المستمر.
هذه الخطة لا تقتصر على الأهداف الاقتصادية، بل تمثل إعلاناً استراتيجياً للحزب الشيوعي الصيني لترسيخ ما يسميه «التحديث الاشتراكي»، وهو مفهوم يجمع بين السيطرة السياسية الصارمة، والطموح التكنولوجي، والتوسع الدولي. وأكد ما هوي في لقاءاته أن الصين لم تعد تسعى فقط إلى معدلات نمو مرتفعة، بل إلى نموذج «مستدام، متوازن، وعالي الجودة»، مدفوع بالابتكار والاستثمار في العلوم والتكنولوجيا.
تسعى بكين من خلال هذه الجهود إلى التأثير على مختلف التيارات السياسية وتقديم نفسها كشريك موثوق به. شارك الوفد الصيني في منتدى نظمته "Cátedra China"، وهو مركز أبحاث وثيق الصلة ببكين. أصبحت هذه المنصات، التي تقع على مفترق الطرق بين التحليل الأكاديمي والدبلوماسية الموازية، أدوات رئيسية لسرد الرواية الصينية في أوروبا.
صرح ما هوي في كلمته أمام المنتدى، بحضور السفير الصيني في مدريد، ياو جينغ: "الحزب الشيوعي مستعد لتعزيز التبادلات والتعاون مع الأحزاب السياسية الإسبانية، وتعميق التعلم المتبادل في مجال الحكم وإدارة الدولة، وتعزيز التعاون العملي والتفاهم بين الشعوب".
هذه اللغة الودية والمصالحة تخفي طموحاً واضحاً: نشر فكرة أن بكين، في مواجهة ما وصفه الخطاب الصيني بـ"تجاوزات" الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، هي القوة العظمى الوحيدة المستقرة والموثوقة، وتطبيع وجودها في مراكز صنع القرار السياسي الأوروبية. تحت قيادة شي جين بينغ، اكتسبت الإدارة الدولية للحزب الشيوعي الصيني أهمية متزايدة، حيث حولها الزعيم الصيني إلى إحدى أكثر أدوات دعاية الحزب فعالية.
أصبحت إسبانيا محطة منتظمة لهذه الدبلوماسية التي تنشرها بكين بكثافة متزايدة في أوروبا. إنها استراتيجية صبورة ودقيقة، تهدف، كما يشير قنصل إسباني سابق في الصين، إلى تحقيق نفوذ سياسي طويل الأمد في دولة رئيسية على الجناح الجنوبي للاتحاد الأوروبي. وتظهر إسبانيا في رادار بكين كقطعة مفيدة ضمن رقعة الشطرنج الأوروبية.
تثير هذه التحركات تساؤلات حول طبيعة العلاقات بين الدول والأحزاب السياسية، ومدى تأثير الدبلوماسية الحزبية على السياسة الخارجية للدول. فبينما تسعى إسبانيا إلى تعزيز علاقاتها الاقتصادية مع الصين، فإن انفتاحها على دبلوماسية الحزب الشيوعي الصيني يفتح الباب أمام نقاشات حول التوازنات الاستراتيجية والسيادية.