القاهرة - وكالة أنباء إخباري
في تطور قضائي مهم يمثل انتكاسة جديدة لسياسات الهجرة التي تتبناها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أصدرت قاضية اتحادية، يوم الخميس، قرارًا قضائيًا يمنع وزارة الأمن الداخلي من إنهاء برنامج الحماية المؤقتة من الترحيل (TPS) لمواطني جنوب السودان. هذا الحكم القضائي الصارم يضمن استمرار الحق لهؤلاء الأفراد في العيش والعمل بشكل قانوني مؤقت داخل الولايات المتحدة، ويأتي في سياق معركة قانونية أوسع نطاقاً بين السلطتين القضائية والتنفيذية حول صلاحيات الرئيس في قضايا الهجرة.
وقد أشارت القاضية باتي ساريس، في حيثيات قرارها، إلى أن وزيرة الأمن الداخلي السابقة، كريستي نيلسن، قد تكون تصرفت بطريقة غير قانونية وغير مبررة عند تقديمها لأسباب "واهية" لإنهاء تصنيف جنوب السودان كدولة تتمتع بوضع الحماية المؤقتة. وأكدت القاضية ساريس أن الإدارة لم تفصح عن الدوافع الحقيقية وراء هذا القرار، وأن الإخطار الصادر بإنهاء الوضع لم يقدم تبريرات مقنعة، مما يثير الشكوك حول مدى شرعية الإجراء المتخذ.
اقرأ أيضاً
- تحقيق بالبيت الأبيض يطال موظفاً راهن على خطابات ترامب بمعلومات داخلية
- أحكام بالسجن لمسؤولين إيطاليين في كارثة جسر جنوة التي أودت بحياة 43 شخصًا
- الفيفا يقيّم تقارير مباراة الأرجنتين بعد لافتة جزر فوكلاند
- مراهق أوكراني يواجه اتهامات بالتخريب في بولندا لصالح روسيا
- إقالة وزير الدفاع الأوكراني تثير غضباً شعبياً وتكشف صراعاً داخلياً
برنامج الحماية المؤقتة: ملاذ لأوقات الأزمات
يُعد برنامج الحماية المؤقتة (TPS) أداة قانونية إنسانية بالغة الأهمية، مُنحت بموجب القانون الفيدرالي الأمريكي للأشخاص الذين لا يستطيعون العودة بأمان إلى أوطانهم بسبب ظروف استثنائية. وتشمل هذه الظروف الكوارث الطبيعية، والنزاعات المسلحة المستمرة، أو الأزمات الإنسانية المعقدة. يوفر البرنامج لمستفيديه تصريح عمل وحماية مؤقتة من الترحيل، مما يتيح لهم فرصة للاستقرار والعمل في الولايات المتحدة ريثما تتحسن الأوضاع في بلدانهم الأصلية. وقد تم منح هذا الوضع لجنوب السودان لأول مرة في عام 2011، عقب استقلال الدولة وتزامنًا مع اندلاع صراعات داخلية.
وكانت الوزيرة نيلسن قد أصدرت في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي إخطارًا بإنهاء وضع الحماية المؤقتة لجنوب السودان، مدعية أن "البلاد لم تعد تستوفي شروط هذا الوضع". ومع ذلك، أوضحت القاضية ساريس أن هذا الإخطار لم يوضح "السبب الحقيقي" وراء القرار، بل بدا وكأنه جزء من "نمط وممارسة محددة مسبقًا" تهدف إلى إنهاء تصنيفات الحماية المؤقتة لعدد كبير من الدول. وأشارت القاضية إلى أن وزارة الأمن الداخلي كانت تسعى، منذ تولي نيلسن منصبها، لإنهاء هذا التصنيف لإحدى عشرة دولة أخرى، بما في ذلك هايتي وفنزويلا وإثيوبيا وسوريا وميانمار، مما يعكس نهجًا أوسع نطاقًا لإعادة تشكيل سياسات الهجرة.
ردود فعل متباينة وتداعيات سياسية
جاء رد المتحدثة باسم وزارة الأمن الداخلي، تريشيا مجلافلين، سريعًا وحادًا، حيث وصفت الحكم بأنه "أمر غير قانوني آخر من القضاء الاتحادي، الذي يواصل تحدي السلطة الدستورية للرئيس". هذا التصريح يعكس التوتر المستمر بين الإدارة والقضاء حول تفسير وتطبيق قوانين الهجرة، ويؤكد على أن معركة الصلاحيات لم تنته بعد.
وقد صدر الحكم في دعوى قضائية جماعية قدمها عدد من مواطني جنوب السودان، بدعم من منظمة أهلية معنية بحقوق الأفارقة في الولايات المتحدة، مما يبرز دور المجتمع المدني في الدفاع عن حقوق المهاجرين واللاجئين. وبحسب الدعوى، استفاد نحو 232 مواطنًا من جنوب السودان من برنامج الحماية المؤقتة ولجأوا إلى الولايات المتحدة، بينما لا تزال طلبات 73 آخرين قيد الدراسة، مما يوضح الأثر الإنساني المباشر لهذا القرار على حياة مئات الأسر.
جنوب السودان: وطن يمزقه الصراع والإهمال
يأتي هذا القرار القضائي في وقت حرج بالنسبة لجنوب السودان، حيث لا يزال القتال مستمرًا في أجزاء واسعة من البلاد منذ استقلاله عن السودان عام 2011. وشهدت الدولة حربًا أهلية مدمرة استمرت خمس سنوات حتى عام 2018، وأودت بحياة ما يقرب من 400 ألف شخص، وتسببت في نزوح وتشريد الملايين. وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، قدّرت الأمم المتحدة أن نحو 300 ألف شخص قد يفرون من جنوب السودان خلال عام 2025، على خلفية تصاعد العنف بين أنصار الرئيس سلفا كير وأنصار نائبه السابق رياك مشار، المتهم حاليًا بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
أخبار ذات صلة
على الرغم من امتلاك جنوب السودان لثروات نفطية ضخمة، إلا أن الدولة تعاني من معدلات فقر مرتفعة للغاية، وانعدام شبه كامل للبنية التحتية القادرة على دعم السكان أو التخفيف من آثار الصراع. ويستمر ضعف مؤسسات الدولة وغياب الأمن الداخلي في دفع المدنيين إلى حافة اليأس، حيث تتفاقم الأزمة الإنسانية جراء نقص الغذاء والمياه والخدمات الأساسية. يبقى المستقبل السياسي للبلاد غامضًا وسط صراع القوى على السلطة وغياب أفق لحل سلمي دائم.
وقد سبقت هذا الحكم دعاوى قضائية مماثلة أفضت إلى منع إنهاء برنامج الحماية المؤقتة لمواطنين من دول أخرى مثل هايتي وسوريا وميانمار، مما يشير إلى نمط متزايد من تدخل القضاء لحماية مستفيدي هذا البرنامج في وجه سياسات الهجرة الصارمة. إن هذا الحكم القضائي لا يحمي مئات الأفراد من جنوب السودان فحسب، بل يبعث برسالة قوية حول الحدود الدستورية للسلطة التنفيذية ويؤكد على الدور الحيوي للقضاء في صون المبادئ الإنسانية والقانونية.