القاهرة - وكالة أنباء إخباري
تشهد الأراضي السورية تحولات جيوسياسية وعسكرية متسارعة، كان أبرزها الإخلاء شبه الكامل للقسم المخصص للعائلات الأجنبية المرتبطة بتنظيم الدولة الإسلامية في مخيم الهول بشمال شرق سوريا، بالتزامن مع تسليم القوات الأمريكية لقاعدة التنف الاستراتيجية للجيش السوري. هذه التطورات، التي أفادت بها مصادر إنسانية وشهود عيان لوكالة فرانس برس، ترسم ملامح مرحلة جديدة في إدارة الملفات الأمنية والإنسانية المعقدة في البلاد، وتثير تساؤلات حول مصير الآلاف ومستقبل الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب.
مخيم الهول: هجرة جماعية تثير مخاوف إنسانية وأمنية
في تطور لافت، غادرت الغالبية العظمى من عائلات المقاتلين الأجانب المرتبطين بتنظيم الدولة الإسلامية مخيم الهول، الواقع في شمال شرق سوريا. هذا الإخلاء جاء في أعقاب انسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من إدارة المخيم، وهو ما أحدث فراغاً أمنياً وإدارياً كبيراً. وقد أكدت مصادر في منظمات إنسانية وشهود عيان لوكالة فرانس برس أن القسم المخصص للأجانب، والذي كان يوماً يأوي قرابة 6300 امرأة وطفل من 42 جنسية مختلفة، بات اليوم شبه خالٍ، في حين لا يزال المخيم يستضيف حوالي 24 ألف شخص إجمالاً، معظمهم من السوريين والعراقيين.
اقرأ أيضاً
- إلغاء رحلة طيران كندية: طفل يرفض ارتداء حزام الأمان ويؤخر مئات الركاب
- تحور محتمل لفيروس إيبولا يثير القلق في الكونغو الديمقراطية مع تجاوز الإصابات 4000 حالة
- قرار قضائي أمريكي ينهي الحماية المؤقتة لمواطني جنوب السودان
- إسبانيا تفرض رقابة حدودية مؤقتة على القادمين من إيطاليا رداً على إجراءات روما
- اكتشاف فطر جديد يوقف زحف دودة الحشد الأفريقية ويبعث الأمل لدى المزارعين الأفارقة
يُعزى هذا الإجلاء الجماعي إلى تسليم قوات قسد إدارة المخيم للقوات الأمنية السورية أواخر شهر يناير/كانون الثاني، وذلك في إطار اتفاق دمج متدرج للقوات العسكرية والإدارية في محافظة الحسكة. وأشار مصدر إنساني إلى أن عدد العائلات المتبقية في ما يُعرف بـ"قسم المهاجرات" لا يتجاوز 20 عائلة، بينما تم تهريب قسم كبير منهم إلى مناطق أخرى مثل إدلب والمحافظات السورية المختلفة، فيما انتقلت أعداد قليلة إلى القطاعات الخاصة بالسوريين داخل المخيم. هذه التطورات تركت مراكز المنظمات الإنسانية العاملة في المخيم عرضة لـ"السلب"، مما أدى إلى تعليق عملياتها ووصف الوضع بـ"غير المستقر"، وفقاً لتصريحات منظمة إنسانية لوكالة فرانس برس.
على الرغم من التقارير الواسعة النطاق عن مغادرة آلاف القاطنين، لم تصدر السلطات السورية أي إحصاءات رسمية حديثة حول أعداد السكان الحاليين. وقد اكتفى مصدر في إدارة المخيم التابعة لوزارة الداخلية السورية بإلقاء اللوم على قوات قسد، مؤكداً أن "سبب كل هذا إن وجد، تتحمله قسد التي انسحبت من المكان". وتظهر مقاطع فيديو، اطلعت عليها فرانس برس، شوارع منطقة السوق داخل المخيم شبه خالية، بعد أن كانت تعج بالحياة، كما نقل شهود عيان مشاهدتهم لمسلحين يقومون بإخراج نساء منقبات من المخيم بعد سيطرة القوات الحكومية عليهن، متجهين إلى مناطق متعددة بما في ذلك الشدادي، الهول، إدلب، حلب، الرقة، ودير الزور.
تداعيات إقليمية ومصير العائلات
امتدت تداعيات الوضع في مخيم الهول إلى دول الجوار. ففي لبنان، أكد رجل لفرانس برس، تحفظ على ذكر اسمه، وصول أربعة أفراد من عائلته كانوا محتجزين في المخيم لسنوات إلى بيروت، مشيراً إلى أن "القوات الحكومية غضّت النظر عنهم". وأفاد المصدر بأن "جميع العائلات اللبنانية باتت الآن في لبنان، باستثناء تلك التي لا تزال محتجزة في مخيم روج"، مما يسلط الضوء على الجهود المستمرة لإعادة المواطنين. ويُذكر أن مئات الشبان من مدينة طرابلس اللبنانية، المعروفة بتأييدها للثورة السورية، كانوا قد انضموا إلى مجموعات مقاتلة في سوريا، بما في ذلك تنظيم الدولة الإسلامية، خلال ذروة نشاطه، وغالباً ما لحقت بهم زوجاتهم وأطفالهم.
وفي العراق، كشف مصدر أمني عراقي لوكالة فرانس برس أن بغداد كانت تعتزم إجلاء الدفعة الأخيرة من مواطنيها هذا الشهر، لكن العملية تأجلت بسبب التطورات الميدانية. ويكشف التنسيق بين العراق والتحالف الدولي عن خطط لإجلاء ما بين 300 إلى 350 عائلة عراقية. وفي المقابل، لا تزال قوات قسد تحتفظ بالسيطرة على مخيم روج القريب من الحدود التركية، والذي يؤوي نحو 2328 شخصاً، معظمهم من الأجانب، مما يبقي ملف المحتجزين الأجانب معلقاً.
نقل سجناء تنظيم الدولة وتسليم قاعدة التنف: إعادة هيكلة الوجود الأمريكي
في سياق متصل، أكمل الجيش الأمريكي خلال الأسابيع الثلاثة الماضية نقل 5046 سجيناً من عناصر تنظيم الدولة الإسلامية من سجون قسد في سوريا إلى العراق، من بينهم مئات الأجانب، وفق ما أفاد به مسؤول أمني عراقي لفرانس برس. هذا النقل يأتي كجزء من إعادة هيكلة أوسع للوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، الذي كان يضم نحو 900 جندي موزعين بين قاعدة التنف وحقول النفط شرقي سوريا.
وقد أعلنت وزارة الدفاع السورية، الخميس، أن الجيش السوري تسلم قاعدة التنف الحدودية من القوات الأمريكية، وبدأ بتأمين القاعدة ومحيطها، كما باشر بنشر وحداته على طول الحدود السورية مع العراق والأردن في بادية التنف، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السورية "سانا". من جانبها، أكدت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) أن "الانسحاب من قاعدة التنف بسوريا كان منظماً، وتم أمس في إطار انتقال مدروس ومشروط". وأضافت القيادة: "نبقى مستعدين للرد على أي تهديد من تنظيم الدولة وندعم جهود شركائنا لمنع عودته".
تُعد قاعدة التنف نقطة استراتيجية حيوية، حيث تقع داخل منطقة منزوعة السلاح تبلغ مساحتها 20 ميلاً مربعاً قرب الحدود السورية-الأردنية، وتربط سوريا بالعراق والأردن. وكان تنظيم "داعش" قد سيطر على معبر التنف في مايو/أيار 2015، وشهدت المنطقة قتالاً عنيفاً في السنوات اللاحقة بين القوات الأمريكية وعناصر التنظيم. وقد تم الاتفاق على تسليم القاعدة عبر تنسيق مباشر بين الجانبين السوري والأمريكي، بحسب بيان وزارة الدفاع السورية، ومن المتوقع أن تبدأ قوات حرس الحدود السورية في استلام مهامها في المنطقة خلال الأيام القادمة.
تُشكل هذه التطورات مجتمعة نقاط تحول بارزة في المشهد السوري المعقد، حيث تُعيد تشكيل خرائط السيطرة والنفوذ وتطرح تحديات جديدة فيما يتعلق بإدارة ملفات الإرهاب واللاجئين وأمن الحدود، في ظل غياب رؤية واضحة لمستقبل مئات الآلاف من المتضررين.