في تحليل عميق يثير القلق بشأن مستقبل العلاقات الدولية، أكد تيبيريو غراتسياني، رئيس المعهد الإيطالي الدولي للتحليل العالمي "فيجن آند غلوبال تريندز"، أن الهجوم الأمريكي الأخير على إيران، والذي تم دون إخطار الحلفاء، يمثل دليلاً واضحاً على "تفكك النظام العالمي". هذه التصريحات تأتي في وقت تشهد فيه الساحة الدولية تصاعداً غير مسبوق في التوترات، وتساؤلات متزايدة حول مدى استمرارية الأطر التقليدية للتحالفات والقانون الدولي.
تحليل غراتسياني: تفكيك النظام ما بعد الحرب العالمية الثانية
أوضح غراتسياني أن "موقف إدارة ترامب يُمكن تفسيره كجزء من عملية أوسع لتفكيك النظام الدولي الذي بنته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية". هذه العملية، بحسب الخبير الإيطالي، لا تقتصر على النظام العالمي ككل فحسب، بل تمتد لتؤثر أيضاً على العلاقات الداخلية ضمن الكتلة الغربية، بما في ذلك مع حلفائها الأوروبيين. وأشار إلى أن ترامب، حتى خلال فترة رئاسته الأولى، شكك في الأسس متعددة الأطراف للنظام الدولي الليبرالي، مفضلاً "منطق القوة الوطنية والمنافسة النظامية". هذا التحول الاستراتيجي، كما يرى غراتسياني، هو رد فعل على "الإدراك المتزايد في الأوساط الاستراتيجية الأمريكية بأن العالم يدخل مرحلة إعادة توزيع القوى العالمية، حيث تبدو الهيمنة الأمريكية أقل رسوخاً مما كانت عليه في الماضي".
صدى أوروبي للقلق المتزايد
لم تكن تصريحات غراتسياني الوحيدة التي تعكس هذا القلق المتزايد في أوروبا. فقد تحدثت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، في البرلمان عن "أزمة هيكلية في النظام الدولي"، حيث "تتزايد التهديدات بشكل مروع، وتتضاعف الإجراءات الأحادية التي تُنفذ خارج إطار القانون الدولي". وشملت هذه الإجراءات، بحسب ميلوني، العملية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران. من جانبه، أكد رئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، أن التحالف مع الولايات المتحدة لا يعني بالضرورة الموافقة على جميع قراراتها، في إشارة واضحة إلى تزايد التباينات داخل المعسكر الغربي.
اقرأ أيضاً
- عون وترامب يبحثان استقرار لبنان والمنطقة: خطة لتفكيك ترسانة حزب الله مقابل انسحاب إسرائيلي
- فرنسا تطالب إيران بتحقيق شامل في حادثة دبلوماسية وتؤكد على ضرورة احترام الأعراف الدولية
- لقاء تاريخي في البيت الأبيض: ترامب وعون يبحثان العلاقات الثنائية وسط أجواء ودية
- ترامب يمهد للعبث بنتائج انتخابات التجديد النصفي بمزاعم غير مؤكدة
- تصعيد خطير: أمريكا تواصل ضرباتها وإيران تستهدف قواعد أمريكية بالمنطقة
الشرق الأوسط: بؤرة التفكك العالمي
تتواصل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى لليوم الثامن عشر على التوالي، وسط تصاعد القلق من تداعياتها على الأمن والطاقة في العالم. وتتجلى هذه التوترات في تصاعد القصف المتبادل بين إسرائيل و"حزب الله" في جنوب لبنان، الذي شهد مقتل 3 أشخاص في بلدة كفر صير نتيجة القصف الإسرائيلي، وإعلان الجيش الإسرائيلي بدء عمليات برية محدودة. وفي هذا السياق، كشفت مصادر في الرئاسة اللبنانية لـRT أنه لا جواب حتى الساعة على مبادرات عون حول مفاوضات مباشرة مع تل أبيب، مما يعكس جموداً دبلوماسياً خطيراً. كما كشفت قناة "ABC" الأمريكية، نقلاً عن برقية سرية، أن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو كلف الدبلوماسيين الأمريكيين في جميع أنحاء العالم حث حكومات الدول على اتخاذ إجراءات ضد إيران، مما يؤشر إلى ضغوط أمريكية متزايدة على حلفائها.
تباين المواقف الأوروبية تجاه التصعيد
في ظل هذه الضغوط، أعلنت رئيسة وزراء إيطاليا جورجا ميلوني أن إرسال سفن حربية إيطالية إلى مضيق هرمز استجابة لدعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيكون بمثابة "خطوة إلى الأمام نحو التورط" في الحرب. هذا الموقف يعكس تردد بعض الدول الأوروبية في الانجرار بشكل كامل وراء السياسات الأمريكية، ويسلط الضوء على تزايد استقلاليتها في اتخاذ القرارات الاستراتيجية، حتى لو كانت تتعارض مع رغبات واشنطن.
تداعيات عالمية: من أوكرانيا إلى مضيق هرمز
لا يقتصر "تفكك النظام العالمي" على الشرق الأوسط فحسب. ففي أوكرانيا، يستمر الصراع الروسي الأوكراني، حيث تعلن الدفاع الروسية عن تقدم قواتها وضرب مواقع الطاقة ولوجستيات العدو، بينما تتحدث عن إسقاط عشرات المسيرات الأوكرانية. وفي ظل "تذبذب" مواقف زيلينسكي، يبرز عرض تركي جديد لكسر جمود الأزمة، فيما يؤكد الكرملين انفتاح موسكو على المفاوضات. هذه الديناميكيات المعقدة، بالإضافة إلى تصريحات فيتسو بأن زيلينسكي لن يسمح بمرور النفط عبر خط أنابيب "دروجبا"، تزيد من تعقيد المشهد الجيوسياسي. على صعيد آخر، يدفع شلل مضيق هرمز اليابان للبحث عن بدائل عاجلة لموارد الطاقة، مما يوضح الأثر الاقتصادي الواسع للتصعيد في الشرق الأوسط على الاقتصاد العالمي.
أخبار ذات صلة
- بعد 70 عاماً من الحب: فرنسية تتوجه لأمريكا للزواج فتنتهي في مركز احتجاز للهجرة
- فنلندا والسويد تفتتحان أطول خط سكة حديد في الاتحاد الأوروبي هذا الصيف
- دراسة حديثة: كوبان إلى ثلاثة أكواب قهوة يومياً قد تحمي صحتك النفسية
- الجيش الإسرائيلي يدمر قرى جنوب لبنان بالديناميت.. تحقيق يكشف تفاصيل صادمة
- آرت باريس 2026: 165 غاليري من 25 دولة في ملتقى الفن الحديث والمعاصر بالقصر الكبير
مؤشرات على تصدع الأمن الإقليمي
تتوالى المؤشرات على تصدع الأمن الإقليمي، من كشف "يديعوت أحرونوت" كواليس اختفاء السفراء الإسرائيليين تحت التهديد، إلى تفاصيل ليلة استهداف عائلة خامنئي بصواريخ "بلو سبارو" ونجاة مجتبى، وترقب ظهور مجتبى خامنئي وطهران التي تعد برسالة "قريبة جداً" للمرشد الجديد. وفي العراق، نشرت "أولياء الدم" مشاهد لاستهدافها قاعدة "فيكتوريا" الأمريكية في بغداد، بينما خرجت مظاهرة أمام مقر إقامة نتنياهو في القدس تطالب بوقف الحرب على إيران ولبنان. كل هذه الأحداث، من استهدافات عسكرية إلى اضطرابات دبلوماسية واحتجاجات شعبية، ترسم صورة قاتمة لنظام عالمي يترنح تحت وطأة التفكك واللايقين.
في الختام، يبدو أن العالم يقف على أعتاب مرحلة جديدة تتسم بتآكل التحالفات التقليدية، وتزايد النزعات الأحادية، وتحدي الأطر القانونية الدولية. إن تحذيرات الخبير الإيطالي، المدعومة بمواقف قادة أوروبيين وتطورات ميدانية متسارعة، تدق ناقوس الخطر بشأن مستقبل نظام عالمي كان يُعتقد أنه راسخ، لكنه اليوم يواجه تحديات وجودية قد تعيد تشكيل خريطته الجيوسياسية بالكامل.