الأحد، ٤ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ / 16 أغسطس 2026 م 03:25 م بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

دمشق بين مطرقة الحرب الإيرانية الإسرائيلية وسندان الحياد الحذر: ارتدادات يومية على السوريين

سوريا، بعد سقوط نظام الأسد، تتحول من ساحة صراع مباشر إلى ممر
استمع للخبر الشرق الأوسط عبد الفتاح يوسف 2026-03-17 17:00 36
دمشق بين مطرقة الحرب الإيرانية الإسرائيلية وسندان الحياد الحذر: ارتدادات يومية على السوريين

في خضم تصاعد وتيرة الاشتباكات في الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل، والتي تُعد الثانية من نوعها بعد حرب الـ12 يومًا في صيف 2025، يبدو المشهد السوري مختلفاً جذرياً عما كان عليه قبل سقوط نظام بشار الأسد وانسحاب القوات الإيرانية والفصائل التابعة لها من الأراضي السورية. اليوم، تجد دمشق نفسها في موقع جيوسياسي معقد، تحاول فيه التمسك بـ"حياد حذر" بينما تتلقى ارتدادات يومية لهذا الصراع الإقليمي المتفاقم.

حياد رسمي وتدابير حدودية مشددة

على المستوى الرسمي، تشير قراءة المشهد إلى أن سوريا تنأى بنفسها عن الحرب الدائرة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى. وقد اكتفت الحكومة السورية المؤقتة، برئاسة أحمد الشرع، باتخاذ إجراءات حدودية مشددة مع كل من لبنان والعراق. تهدف هذه التدابير الاحترازية إلى منع امتداد النزاع إلى الأراضي السورية، وذلك تحسباً لاحتمال انخراط أطراف من البلدين في القتال دعماً لإيران، وفقاً لمصادر رسمية. ورغم هذا النأي بالنفس المعلن، يرى مراقبون أن سوريا، بحكم موقعها الاستراتيجي، تبقى ركناً أساسياً في المعادلة الشرق أوسطية، مما يجعل استبعادها كلياً عن تداعيات الحرب أمراً غير ممكن.

الأجواء السورية: مسرح جديد للصراع

على الأرض، تعيش سوريا وضعاً استثنائياً لم تعهده من قبل. فبدلاً من أن تكون المعركة دائرة على أراضيها كما كان يحدث طيلة السنوات الماضية، هي اليوم تدور في سمائها. بعد أن دمرت إسرائيل معظم منظومات الدفاع الجوي السورية في غارات أعقبت سقوط النظام مباشرة، باتت الأجواء السورية مفتوحة تماماً. يتم رصد تصدٍ إسرائيلي متواصل للصواريخ والمسيرات الإيرانية التي تعبر الأجواء السورية، في غياب أي قدرة سورية على الاعتراض أو الرد. هذا التصدي الإسرائيلي، وإن كان يحدث في السماء، إلا أن له تداعيات ملموسة على الأرض. فشظايا الصواريخ المتساقطة تسبب بين الحين والآخر أضراراً مادية في الممتلكات، وتسجل بعض الإصابات البشرية نتيجة هذه الشظايا، فيما لم تسجل حتى الآن أي حالة وفاة جراء ذلك.

الوطأة الاقتصادية: أزمة تتفاقم

إلى جانب المخاوف الأمنية، يجد السوريون أنفسهم تحت وطأة أزمة اقتصادية خانقة تتفاقم بسبب التداعيات العالمية للحرب. فالاضطرابات في إمدادات الطاقة عالمياً، الناجمة عن الصراع الدائر في المنطقة، تنعكس سلباً وبشكل مباشر على السوق السورية التي تعاني أصلاً من انهيار اقتصادي مزمن. ارتفاع أسعار المحروقات والطاقة بشكل عام يضيف عبئاً جديداً على مواطن أنهكته سنوات طويلة من الحصار والعقوبات. فمعاناة تأمين مادة الغاز والمازوت للتدفئة في الشتاء، والبنزين للتنقل، تتحول إلى كابوس يومي يذكر السوري بأنه، حتى وهو بعيد عن ساحات القتال المباشرة، يدفع ثمناً باهظاً لصراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.

تعدد القراءات والآراء المتضاربة

في هذا المشهد المعقد، تتعدد قراءات السوريين للحرب الدائرة، حيث ينظر كل منهم إلى الأحداث من خلال تجربته الشخصية مع أطراف النزاع. يعبر محمد المصري، أحد سكان العاصمة، عن مرارة قائلاً لـ"يورونيوز": "ما الذي جنيته من هذه الحرب؟ على مدى 14 عاماً، لكل من إسرائيل وإيران يد في خراب وتدمير سوريا، وكلاهما شارك في قتل الشعب السوري وتدمير اقتصاده... لا أعتقد أن هذه الحرب تهمني".

في المقابل، تحمل يارا سمندر جرحاً مختلفاً يتعلق بالقضية الفلسطينية فتقول لـ"يورونيوز": "أنا لا أنحاز لأي طرف، ولكن إسرائيل على مدى 70 عاماً تهجر وتقتل وتعتقل الشعب الفلسطيني. أنا سعيدة لأنهم يتذوقون الآن الخوف والرعب الذي عاشه أهلنا في غزة".

أما علي صالح فيعبر عن موقف أكثر تعقيداً، يمزج بين الرفض المبدئي لإسرائيل والتشفي مما يحصل لإيران: "لا يمكنني أبداً أن أقف مع إسرائيل. لكن في الوقت نفسه، يقال اليوم إن لإسرائيل يداً كبيرة في إسقاط النظام الذي خلصنا من طغيان استمر 50 عاماً. إيران والميليشيات الإيرانية كانوا سبباً في قتل وتهجير الشعب السوري. فليذوقوا ما ذقناه". ويضيف علي أن "تقسيم إيران ليس في مصلحة أحد... المنطقة مصلحتها في تغيير سلوك النظام الإيراني".

في مقابل هذه الآراء، هناك أصوات أخرى ترفض منطق "العدوين" أو "التشفي"، وتنظر للحرب من زاوية دعم لـ"المقاومة". سيدة سورية فضلت عدم الكشف عن هويتها لأسباب أمنية، تعبر عن رأي مغاير تماماً: "أرى أن ما تفعله إيران هو في سبيل تحرير فلسطين، خاصة أن إيران تعتبر دعماً حقيقياً لحماس وحزب الله... لا أفهم لماذا يشمَت البعض بإيران، يجب أن نفرق بين النظام الإيراني والشعب الإيراني. الشعب الإيراني مثلنا، يدفع الثمن".

تحول جيوسياسي: من حليف إلى منطقة عازلة

التباين في آراء الشارع السوري لا يعكس فقط تجارب شخصية متناقضة، بل يرصد تحولاً جيوسياسياً عميقاً في بنية الدولة السورية نفسها. فطيلة نصف قرن من حكم حافظ وبشار الأسد، كانت سوريا وإيران شريكين في حلف استراتيجي، حيث شكلت دمشق العمق البري لطهران وموطئ قدم ميليشياتها نحو الجولان والبحر المتوسط. بعد سقوط النظام، حدث انقلاب في هذه المعادلة. لم تعد سوريا حليفة لإيران بالمعنى التقليدي، ولم تعلن عداءً صريحاً قد يجرها لحرب شاملة، بل انتقلت إلى حالة يمكن وصفها بـ"الحياد الدفاعي" أو "التباعد القسري". هذا التحول لم يكن خياراً أيديولوجياً بقدر ما كان استجابة لضغط الواقع الجديد.

هذا التحول يضع سوريا في موقع استراتيجي جديد؛ فهي لم تعد "ورقة ضغط" بيد إيران ضد إسرائيل، بل أصبحت "منطقة عازلة" بحكم الواقع، تحاول الموازنة بين عدم استفزاز إيران وعدم تقديم ذريعة لإسرائيل لاستهداف البنية التحتية السورية، وفقاً لمراقبين. وفي نهاية المطاف، يبقى السوريون هم من يدفعون الثمن الأكبر، سواء من خلال التداعيات الأمنية أو الاقتصادية، في صراع يتجاوز حدودهم ويثقل كاهلهم.

# سوريا، الحرب الإيرانية الإسرائيلية، الحياد السوري، الأزمة الاقتصادية سوريا، تداعيات الحرب، الشعب السوري، التحول الجيوسياسي سوريا، أحمد الشرع
اقرأ هذا الخبر