إخباري
السبت ١١ يوليو ٢٠٢٦ | السبت، ٢٦ محرم ١٤٤٨ هـ
عاجل

مارتن بار: عين على حماقات البشرية وفخاخ الاستهلاك

استعراض استعادي لأعمال المصور الراحل مارتن بار في باريس يكشف

مارتن بار: عين على حماقات البشرية وفخاخ الاستهلاك
عبد الفتاح يوسف
2026-03-05 07:09
11

فرنسا - وكالة أنباء إخباري

مارتن بار: عين على حماقات البشرية وفخاخ الاستهلاك

في قلب العاصمة الفرنسية باريس، يحتضن متحف جو دو بوم معرضاً استعادياً شاملاً لأعمال المصور البريطاني الشهير مارتن بار، الذي رحل عن عالمنا في ديسمبر الماضي عن عمر يناهز ثلاثة وسبعين عاماً. يحمل المعرض عنوان «التحذير العالمي» (Global Warning)، ويكشف عن رؤية بار الثاقبة والمثيرة للجدل للطبيعة البشرية، وتركيزه الدائم على تناقضات الاستهلاك المفرط والمواقف اليومية التي غالباً ما تبدو سخيفة أو مبالغ فيها.

يُعد اللون الوردي الصارخ، الذي وصفه البعض بـ«لون العلكة» وأطلق عليه اسم «وردي بار» (Parr Pink)، عنصراً بصرياً بارزاً في المعرض، حيث اختاره بار ليكون لون الغرفة الأولى. هذا الاختيار الجريء، الذي جاء على الرغم من اقتراح القيم المنظم كوينتن باجاك باستخدام اللون الأبيض الكلاسيكي، يمثل بحد ذاته رمزاً لأسلوب بار. إنه اللون الذي يذكرنا بزهرة الكركديه على قاع بيكيني مطبوع بجرأة، وزجاجات العطور المقلدة، وعبوات الحفاضات، وزينة الكعك، وحتى تفاصيل حميمية مثل الأفواه المترهلة، واللهاة المتدلية، والمناخير المقربة لدرجة تظهر فيها الشعيرات الدموية المتكسرة، مما يوحي بحياة مليئة بالإفراط في عالم يستهلك بلا هوادة.

لم تكن مقاربة بار دائماً بهذه المواجهة المباشرة، لكن مسيرته المهنية امتدت لخمسة عقود، حيث فحص بدقة شهية الإنسان والتناقضات التي تولدها. يضم المعرض حوالي مئة وثمانين صورة فوتوغرافية، تعرض أعماله المعروفة جيداً مثل صوره المشبعة بالألوان للسياح من الطبقة العاملة في المنتجعات، والذين يظهرون بزيت لامع على أجسادهم في نيو برايتون أو بينيدورم. ومع ذلك، يسلط المعرض الضوء أيضاً على جوانب أخرى أقل شهرة من عمله، مما يمنحه عمقاً إضافياً.

في أوائل الثمانينيات، قام بار بجولة في الساحل الغربي لأيرلندا بسيارة موريس مينور، موثقاً سيارات موريس مينور مهجورة منتشرة في المناظر الطبيعية. هذه الصور، الملتقطة بالأبيض والأسود، تحمل جودة حزينة وتلمح إلى الفناء الحتمي لأي ابتكار أو موضة عابرة، وترمز إلى زوال كل شيء. كما أنها تدعم فكرة أن بار كان يمتلك نزعة مفاهيمية أقوى مما يُنسب إليه عادةً؛ فقد وضع لنفسه قاعدة صارمة: كلما رأى سيارة موريس، كان عليه التوقف والتقاط صورة. هذا الالتزام يبرز تفكيره المفاهيمي المبكر.

في عام 1983، تحول بار إلى التصوير الملون، متأثراً بتصوير البطاقات البريدية لجون هايند والألوان الزاهية التي كانت تخرج من أمريكا في أعمال جويل مايروفيتز، وويليام إيجلستون، وستيفن شور. ومن الأمثلة البارزة على ذلك صورة من سالفورد، إنجلترا، والتي يعتبرها البعض تحفته الفنية. تُظهر الصورة امرأتين متكئتين على جدار سوبر ماركت مغطى بالحصى، وهما تمسكان بمقابض عربات التسوق الممتلئة. يبدو المشهد وكأنه سباق سيارات، حيث تتجسد المنافسة والفخر والغطرسة التي اكتشفها بار في حاجة الإنسان الدائمة لإثبات الذات من خلال ما يشتريه.

يُعد الطعام أحد المجالات المفضلة لدى بار، ومن المثير للاهتمام مقارنة صوره للكعك واللحوم والمثلجات بتلك التي رسمها الرسام الأمريكي واين ثيبود. يشترك الفنانان في الانجذاب إلى العدادات اللامعة والصفوف المغرية لثقافة ما بعد الحرب الاستهلاكية، لكن بار يثبت نظره لفترة أطول، باحثاً عن الشعور بالغثيان الذي يعقب الوليمة. في معرض جو دو بوم، تم عرض اثنتين وأربعين صورة من سلسلة «الحس السليم» (Common Sense) لبار في شبكة واحدة. ومن بين المعجنات ذات الإيحاءات الجنسية وشرائح لحم الخنزير اللامعة، تظهر صورة لكاهن، مقطوعة بشكل وثيق لدرجة أن ما تراه بالكاد هو ياقة وذقن. تبرز خيوط فضفاضة من ردائه؛ ويبدو النسيج رخيصاً لدرجة أنك تكاد تسمع صريره. يبقى من غير الواضح ما إذا كنا ننظر إلى رجل مقدس أم مجرد شخص طلب زياً تنكرياً لعيد الهالوين عبر الإنترنت.

واجه بار صعوبة في الانضمام إلى ماغنوم (Magnum)، التعاونية المرموقة للمصورين. كان هنري كارتييه بريسون، أحد المؤسسين، يعتبر عمل بار قاسياً وصاخباً، وذكر أنه قال له: «نحن من نظامين شمسيين مختلفين». رد بار بقوة: «أعترف بوجود فجوة كبيرة بين احتفالك بالحياة وانتقادي الضمني لها... ما أود أن أسألك عنه هو، لماذا تهاجم الرسول؟» في نهاية المطاف، تصالح الرجلان وأصبح بار عضواً في ماغنوم، بعد حصوله على الأصوات الكافية بصعوبة.

على الرغم من سمعته في التعامل مع المواضيع الخفيفة، كان بار مصوراً اجتماعياً بطريقته الخاصة، مصوراً للشوارع (photographe de rue) وسّع نطاق تصوير الشوارع ليشمل مجالات السياحة الجماعية وثقافة النفايات، حيث لم يجرؤ دعاة الإنسانية ذوو التوجهات الرفيعة على الذهاب. صورة لامرأة طويلة القامة وهي تملأ سيارة صغيرة بوقود، وترتدي تنورة مربعة وقميصاً مكتوباً عليه، بشكل متناقض، «أفضل أن أقود شاحنة» (I’d Rather Be Truckin’) تذكرنا برسوم كوينتين بليك: الآنسة ترانشبول لعصر الوقود الأحفوري.

فكاهة بار بريطانية بوضوح، مع لمسة ساخرة نادراً ما تتجاوز إلى الاستياء الصريح. بعض مزحاته فقدت بريقها مع مرور الوقت، مثل سلسلة صور للسياح يحملون عصي السيلفي، والتي لم تعد تحمل نفس التأثير الذي كانت تحمله عندما كانت التكنولوجيا، والنرجسية التي تضمنتها، تبدو تطوراً جديداً. لكن أعمالاً مثل لقطة تشبه البطاقة البريدية لرف بطاقات بريدية متوقف في منتصف مسار تزلج في جبال الألب السويسرية، لا تزال تحتفظ بقوتها في جعلك تضحك بينما تتساءل، بحنان، ما الخطأ الذي يعتري الناس. وصوره للمقتنيات الملكية السخيفة، مثل قناع مهجور للأمير ويليام وسط بقايا الكاتشب والفودكا من حفلة شارع احتفالاً بزواجه، تبدو مناسبة بشكل خاص مع استمرار فضيحة جيفري إبشتاين في تلويث سمعة العائلة المالكة.

شهد معرض جو دو بوم إقبالاً جماهيرياً، لدرجة أن المتحف أضاف ساعات عمل إضافية لاستيعاب الطلب. يتساءل المرء عما قد يكون رأي بار في معجبيه، وهم يصطفون في معاطف واقية في رذاذ فبراير. هل كان سيلتقط صورهم كحجاج أم كأغبياء؟

ما يميز نكات بار هو أنها ليست بصرية بحتة. الذكاء المفاهيمي لعمله المبكر، كما يتضح في صورة تُظهر مجموعة من الحيوانات المحنطة مرتبة أمام نافذة منزل متواضع مزينة بستائر دانتيل، يؤكد على عمق رؤيته التي تتجاوز مجرد السطح البصري.

الكلمات الدلالية: # مارتن بار # تصوير فوتوغرافي # استهلاك # ثقافة # فن # معرض # باريس # جو دو بوم # حماقات بشرية # نقد اجتماعي