إخباري
السبت ٢١ فبراير ٢٠٢٦ | السبت، ٤ رمضان ١٤٤٧ هـ
عاجل

سهير البابلي: أسطورة المسرح والسينما ورضا الفنان بين الجماهيرية والقيمة الأدبية

سهير البابلي: أسطورة المسرح والسينما ورضا الفنان بين الجماهيرية والقيمة الأدبية
Saudi 365
منذ 6 يوم
56

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

سهير البابلي: أسطورة المسرح والسينما ورضا الفنان بين الجماهيرية والقيمة الأدبية

يصادف اليوم ذكرى ميلاد فنانة استثنائية تركت بصمة لا تمحى في سجل الفن العربي، إنها الكبيرة سهير البابلي، التي لم تكن مجرد ممثلة بل أيقونة فنية متعددة المواهب، جسدت أدواراً خالدة على خشبة المسرح، وشاشة السينما، وتلفزيون الدراما، لتصنع لنفسها مكانة متفردة كواحدة من أهم النجمات اللواتي أثرن في وجدان الجمهور المصري والعربي. مسيرة فنية حافلة بالعطاء والإبداع، لم تقتصر على النجاح الجماهيري بل امتدت لتلامس عمق التجربة الإنسانية والفنية، مجسدةً شغفها اللامحدود بالفن الأصيل.

بدايات متألقة وتكوين أكاديمي رصين

بدأت موهبة سهير البابلي في الظهور مبكراً، لتتخذ مساراً أكاديمياً صقل قدراتها الفطرية. التحقت الفنانة الراحلة بالمعهد العالي للفنون المسرحية ومعهد الموسيقى في آن واحد، وهو ما يعكس شغفها العميق وتفوقها اللافت في مجالات فنية متعددة، لا سيما امتلاكها لموهبة فريدة في تقليد الممثلين، الأمر الذي لفت الأنظار إليها منذ بداياتها. لم تكن دراستها مجرد تحصيل علمي، بل كانت بمثابة ورشة عمل تحت إشراف قامات فنية عظيمة، حيث تتلمذت على يد أساتذة كبار تركوا بصماتهم في تاريخ الفن المصري، من أمثال عميد المسرح العربي عبد الرحيم الزرقاني، والنجم المسرحي حمدي غيث، والمخرج والممثل القدير نبيل الألفي. هذا التكوين الأكاديمي المتين منح البابلي أسساً راسخة انطلقت منها لتبدأ مسيرتها الفنية الاحترافية فور تخرجها عام 1957، لتخطو أولى خطواتها نحو عالم النجومية بثقة واقتدار.

"مدرسة المشاغبين": قمة النجاح الجماهيري وصراع الفنان مع القيمة

لعل المحطة الأبرز في مسيرة سهير البابلي، والتي ارتبطت بذاكرة الملايين، هي دور "المدرسة" في مسرحية "مدرسة المشاغبين". ورغم النجاح الجماهيري الخارق الذي حققته المسرحية، والذي وصفته البابلي نفسها بـ"الاستثنائي"، إلا أنها كشفت في حوار نادر عن شعورها بعدم الرضا الأدبي تجاه هذا النجاح. هذا التناقض يمثل محوراً فنياً وفكرياً يستحق التأمل. لقد أوضحت الفنانة الكبيرة أن إحساسها بالضيق من هذا النجاح المادي والجماهيري يعود إلى أنها قدمت قبله أعمالاً مسرحية "عظيمة" لم تحظ بنفس القدر من الاهتمام الجماهيري الواسع. كانت "مدرسة المشاغبين" بمثابة "فرقعة" على حد تعبيرها، حققت انتشاراً هائلاً وأرباحاً كبيرة، لكنها لم ترقَ إلى المستوى الفني الذي كانت تطمح إليه، أو الذي اعتادت تقديمه في المسرح الجاد. تساؤلها المرير في ذلك الحوار النادر: "أين كان الجمهور العظيم من مسرحيات المسرح القومي؟" يكشف عن حس فني رفيع وشعور بالمسؤولية تجاه الفن الهادف. لم تكن سهير البابلي تسعى فقط للتصفيق الجماهيري، بل كانت تبحث عن التقدير الأدبي والفني لجهودها في أعمال تحمل قيمة فكرية وثقافية أعمق. هذا الشعور يعكس نظرة الفنان الحقيقي الذي يرى في الفن رسالة تتجاوز حدود الترفيه المجرد، ويُلقي الضوء على التحدي الذي يواجهه الفنانون بين متطلبات السوق الفني ورغبتهم في تقديم محتوى ذي قيمة. لقد كانت راضية عن نجاحها المادي والجماهيري في "مدرسة المشاغبين"، لكنها أدبياً لم تكن راضية عن نفسها، وهو ما يبرهن على معاييرها الفنية الصارمة وتفضيلها للجودة على حساب الشهرة اللامعة وحدها.

بصمات خالدة في السينما والتلفزيون

لم تقتصر بصمة سهير البابلي على المسرح، بل امتدت لتشمل السينما والتلفزيون، حيث قدمت أدواراً متنوعة أظهرت قدرتها الفائقة على التلون والتماهي مع مختلف الشخصيات. في السينما، تألقت في مجموعة من الأعمال التي لا تزال محفورة في ذاكرة السينما المصرية. من أبرز هذه الأعمال فيلم "جناب السفير"، الذي أثبت قدرتها على أداء الأدوار المركبة، و"لحظة ضعف" الذي عكس جانباً درامياً مؤثراً في أدائها. كما شاركت في الفيلم الغنائي الشهير "أميرة حبي أنا" إلى جانب الفنانة سعاد حسني، وفيلم "حدوتة مصرية" للمخرج العالمي يوسف شاهين، وهو ما يدل على سعيها للعمل مع كبار المخرجين والمشاركة في أعمال ذات قيمة فنية عالية. ولا يمكن إغفال دورها البارز في فيلم "ليلة القبض على بكيزة وزغلول" الذي قدمت فيه ثنائية كوميدية مميزة إلى جانب إسعاد يونس، واستمر نجاحها في الكوميديا بفيلم "أخطر رجل في العالم". هذه الأعمال السينمائية المتنوعة تؤكد أنها لم تكن فنانة مسرحية فحسب، بل نجمة سينمائية لامعة قادرة على ترك بصمة قوية في كل قالب فني تخوضه.

إرث فني لا يمحى: سهير البابلي مدرسة فنية متكاملة

خلال مسيرتها الفنية الطويلة، قدمت سهير البابلي عشرات الأعمال التلفزيونية والمسرحية والسينمائية التي شكلت جزءاً لا يتجزأ من التراث الفني العربي. لم تكن مجرد ممثلة تؤدي أدواراً، بل كانت تضيف أبعاداً إنسانية وفنية لكل شخصية تجسدها، تاركة وراءها إرثاً فنياً غنياً يدرس للأجيال القادمة. كانت رؤيتها الفنية الثاقبة والتزامها بالجودة من السمات البارزة لشخصيتها الفنية، وهو ما جعلها تحظى باحترام وتقدير النقاد والجمهور على حد سواء. حتى بعد اعتزالها وعودتها لاحقاً في أعمال محدودة، ظلت مكانتها الفنية راسخة، كدليل على أن الفن الحقيقي لا يزول بمرور الزمن. سهير البابلي لم تكن فقط فنانة موهوبة، بل كانت مدرسة فنية في حد ذاتها، تخرج منها أجيال من المحبين والمعجبين بفنها الراقي وأدائها المتقن، لتظل ذكراها خالدة في سجلات الإبداع العربي.

وفي ذكرى ميلادها، تستحضر وكالة "إخباري" مسيرة فنانة تجاوزت حدود الزمان والمكان، لتقدم نموذجاً للفنان الشامل الذي لا يرضى إلا بالتميز. إن تحليل مسيرتها يكشف عن التحديات التي تواجه المبدعين في الحفاظ على الأصالة الفنية في خضم متطلبات الشهرة والنجاح الجماهيري. سهير البابلي، بفنها الراقي ومواقفها النبيلة، ستبقى منارة تضيء درب الفن الهادف، وشاهدة على زمن كانت فيه الموهبة والالتزام أساس الإبداع الحقيقي في مصر والوطن العربي.

الكلمات الدلالية: # سهير البابلي # مدرسة المشاغبين # المسرح المصري # السينما المصرية # فنانة # ذكرى ميلاد # فن عربي # عبد الرحيم الزرقاني # حمدي غيث # نبيل الألفي # جناب السفير # لحظة ضعف # أميرة حبي أنا # حدوتة مصرية # بكيزة وزغلول