السبت، ١٤ جمادى الأولى ١٤٤٨ هـ / 24 أكتوبر 2026 م 11:53 ص بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

صراع الأرشيف والذكاء الاصطناعي: لماذا تمنع وسائل الإعلام وصول الروبوتات إلى كنوزها الرقمية؟

مع تصاعد القضايا القانونية ضد شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى
استمع للخبر الشرق الأوسط عبد الفتاح يوسف 2026-05-04 02:52 52
صراع الأرشيف والذكاء الاصطناعي: لماذا تمنع وسائل الإعلام وصول الروبوتات إلى كنوزها الرقمية؟

الشرق الأوسط - وكالة أنباء إخباري

إعلان ممول مساحة إعلانية
متجر مصر

في تطور يعكس التوترات المتزايدة بين عمالقة التكنولوجيا وقطاع الإعلام، تتخذ العديد من المؤسسات الإخبارية حول العالم خطوات حاسمة لمنع شركات الذكاء الاصطناعي من الوصول إلى أرشيفاتها الرقمية الغنية. يأتي هذا التحرك وسط مخاوف متصاعدة بشأن انتهاك حقوق النشر والاستخدام غير المصرح به للمحتوى الصحفي لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية، والتي تعتمد بشكل كبير على كميات هائلة من البيانات النصية والصورية.

لقد أصبح استخدام شركات الذكاء الاصطناعي للأرشيفات الإخبارية نقطة خلاف رئيسية، حيث ترى وسائل الإعلام أن هذا الاستخدام يشكل انتهاكًا كبيرًا لقوانين الملكية الفكرية. هذه المخاوف ليست نظرية؛ بل تتجسد في قضايا قانونية جارية ضد شركات رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي مثل "OpenAI"، المطورة لـ ChatGPT، و"Perplexity AI"، التي تواجه اتهامات بالنسخ واللصق من مصادر إخبارية دون إسناد مناسب أو ترخيص.

صراع حقوق النشر في العصر الرقمي

تعتمد نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدية، مثل تلك التي تنتج النصوص والصور، على تدريبها على تريليونات من نقاط البيانات المستقاة من الإنترنت. جزء كبير من هذه البيانات يأتي من المحتوى المنشور بواسطة المؤسسات الإخبارية، بما في ذلك المقالات والتقارير والصور ومقاطع الفيديو التي تم إنفاق موارد ضخمة على إنتاجها. المشكلة تكمن في أن شركات الذكاء الاصطناعي غالبًا ما تقوم بجمع هذه البيانات دون الحصول على إذن صريح أو دفع تعويضات للمبدعين الأصليين.

يؤكد ناشرو الأخبار أن هذا الاستخدام المجاني والمكثف لمحتواهم يقوض نموذج أعمالهم، ويقلل من قيمة عملهم الصحفي، ويحرمهم من الإيرادات المحتملة التي يمكن أن تأتي من ترخيص محتواهم. يعتبرون أن نماذج الذكاء الاصطناعي تستفيد بشكل مباشر من استثماراتهم في جمع الأخبار والتحقق منها، بينما تقدم منتجاتها النهائية كبديل للمحتوى الأصلي، مما يؤثر سلبًا على حركة المرور إلى مواقعهم.

قضايا قانونية بارزة تشكل سابقة

تعد الدعاوى القضائية المرفوعة ضد "OpenAI" و"Perplexity" من أبرز الأمثلة على هذا الصراع. فقد رفعت صحيفة "نيويورك تايمز" دعوى قضائية ضد "OpenAI" و"مايكروسوفت" في ديسمبر 2023، متهمة إياهما بانتهاك حقوق النشر من خلال استخدام ملايين من مقالاتها لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. وتطالب الصحيفة بتعويضات بمليارات الدولارات وتدمير أي نماذج ذكاء اصطناعي تم تدريبها على محتواها.

إعلان ممول مساحة إعلانية
إخباري

وفي قضية أخرى، اتهمت مجلة "فوربس" وعدد من المؤسسات الإخبارية الأخرى شركة "Perplexity AI" بسرقة المحتوى وإعادة صياغته دون إسناد مناسب، مما يخلق انطباعًا بأن المعلومات هي نتاج الذكاء الاصطناعي نفسه. هذه الدعاوى القضائية تسلط الضوء على الحاجة الملحة لتوضيح الأطر القانونية المتعلقة بالملكية الفكرية في عصر الذكاء الاصطناعي.

إجراءات وسائل الإعلام لحماية محتواها

ردًا على هذه التحديات، بدأت العديد من المؤسسات الإخبارية في تنفيذ آليات تقنية لمنع روبوتات الذكاء الاصطناعي من "الزحف" إلى مواقعها وجمع محتواها. تشمل هذه الإجراءات استخدام ملفات "robots.txt" لتوجيه روبوتات الويب بعدم فهرسة أجزاء معينة من الموقع، أو حتى حظر عناوين IP الخاصة بالشركات المعروفة بتطوير الذكاء الاصطناعي. كما يستكشف البعض نماذج ترخيص جديدة تفرض رسومًا على استخدام المحتوى لأغراض تدريب الذكاء الاصطناعي.

تهدف هذه الإجراءات إلى استعادة السيطرة على المحتوى الصحفي، وضمان حصول المبدعين على تعويض عادل عن عملهم، والحفاظ على استدامة صناعة الأخبار في بيئة رقمية متغيرة باستمرار. كما أنها تعكس رغبة وسائل الإعلام في حماية مصداقيتها وسمعتها من خطر أن يتم استخدام محتواها بطرق قد تؤدي إلى نشر معلومات مضللة أو غير دقيقة عبر نماذج الذكاء الاصطناعي.

مستقبل الذكاء الاصطناعي والإعلام: نحو التعايش أم التصادم؟

يثير هذا الصراع أسئلة جوهرية حول مستقبل الذكاء الاصطناعي والإعلام. فمن ناحية، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم أدوات قوية للصحفيين لتحليل البيانات، واكتشاف القصص، وتحسين الإنتاجية. ومن ناحية أخرى، فإن استخدامه غير المنظم للمحتوى قد يهدد وجود الصحافة نفسها.

يرى بعض الخبراء أن الحل يكمن في تطوير أطر قانونية واضحة وحديثة تتناسب مع تحديات العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى التوصل إلى اتفاقيات ترخيص عادلة بين شركات الذكاء الاصطناعي وناشري المحتوى. قد يشمل ذلك نماذج أعمال جديدة حيث يتم تعويض وسائل الإعلام عن مساهمتها في تدريب الذكاء الاصطناعي، أو تطوير تقنيات تسمح بتتبع استخدام المحتوى والتحقق من مصدره.

في نهاية المطاف، سيحدد مسار هذه القضايا القانونية والجهود التشريعية ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيصبح شريكًا قيمًا للإعلام، أو تهديدًا وجوديًا له. يبقى التحدي هو إيجاد توازن بين الابتكار التكنولوجي وحماية حقوق المبدعين، لضمان استمرار تدفق المعلومات الدقيقة والموثوقة في مجتمعاتنا.

# الذكاء الاصطناعي، حقوق النشر، وسائل الإعلام، أرشيف الأخبار، OpenAI، Perplexity، قضايا قانونية، الملكية الفكرية
عبد الفتاح يوسف

عبد الفتاح يوسف

رئيس التحرير موثق

صحفي ومبرمج

اقرأ هذا الخبر