غير محدد - وكالة أنباء إخباري
باتت شبكة الإنترنت أشبه بـ 'أطلال رقمية'، حيث تختفي الروابط وتتحول الصفحات إلى ما يشبه السراب. هذه الظاهرة، التي تتجاوز مجرد الاختفاء المفاجئ، تمثل تآكلاً بطيئاً لكنه جوهري في بنية الشبكة المفتوحة التي اعتدناها.
تكشف بيانات سيميلار ويب عن انخفاض في حركة المرور بنسبة 11% لأكبر ألف موقع عالمي خلال خمس سنوات، ما يطرح تساؤلات حول مستقبل التصفح التقليدي. ويزداد الأمر خطورة مع بيانات مركز بيو للأبحاث التي تفيد بأن ربع صفحات الويب المنشورة في العقد الأخير اختفت تماماً. فـ 25% من صفحات الويب التي نُشرت عام 2013 لم تعد متاحة، بينما تعاني 23% من الصفحات الإخبارية و21% من المواقع الحكومية من روابط معطلة.
اقرأ أيضاً
- ترامب وكوهين: تقارب مفاجئ يكسر سنوات العداء ويشعل التساؤلات
- ميناء سيدي كرير: بوابة مصر النفطية البديلة لتحديات الملاحة العالمية
- الأبيض السودانية: تصعيد عسكري ونزوح جماعي وسط ضغط على الفرقة الخامسة
- الإعلامي أحمد موسى: رحلة الإعلام المثيرة والجانب الذي لا يعرفه الكثيرون
- بكين تستضيف قمة عالمية لدفع عجلة الروبوتات التجارية والصناعية
هذا التفتت المتزايد في بنية الشبكة يجعل عملية البحث عن معلومات دقيقة وموثوقة أشبه بالبحث عن إبرة في كومة قش، حيث تضيع المعلومات بسرعة البرق بين رسائل الخطأ.
ويكمن التهديد الأكبر في التحول الجذري في سلوك المستخدمين. فقد استغل الذكاء الاصطناعي التوليدي وروبوتات الدردشة هذا الفراغ، حيث لا تكتفي بجذب اهتمام المستخدمين، بل تقطع شريان الحياة عن المواقع الإعلامية. تشير الإحصاءات إلى أن حركة الإحالة القادمة من نماذج الذكاء الاصطناعي إلى المواقع الإخبارية تقل بنسبة 96% عن محركات البحث التقليدية. وهذا يدفعنا نحو نموذج 'الحديقة المغلقة'، حيث يحصل المستخدم على إجاباته ضمن واجهة الذكاء الاصطناعي دون الحاجة لزيارة المصدر الأصلي.
هذا السلوك يهدد بإخراج الناشرين من السوق، مما قد يؤدي مستقبلاً إلى فراغ معرفي لنماذج الذكاء الاصطناعي، حيث ستضطر للتغذية على محتوى قديم ومكرر. نحن نشهد نهاية 'الويب القائم على الوجهة' وبداية 'ويب الأجوبة المباشرة'.
وتزداد الفجوة الرقمية عمقاً، لا سيما في المنطقة العربية التي يمثل محتواها أقل من 1% من الشبكة. هذا النقص الحاد يجعل المنطقة أكثر عرضة للتبعية لنماذج ذكاء اصطناعي قد تكون غريبة عنها ثقافياً ومنطقياً. وإذا استمر هذا التآكل وتوقف الناشرون عن إنتاج محتوى جديد بسبب انعدام الزيارات، فقد نصل إلى إنترنت صامت يعيد تدوير ما لديه عبر قوالب برمجية باردة.
تتجاوز السيادة الرقمية مجرد امتلاك النماذج، لتشمل حماية المحتوى الأصلي من الانقراض في عالم يفضل السرعة على الدقة. يبقى السؤال: هل سيتحول الإنترنت مستقبلاً إلى مجرد واجهة حوارية واحدة، أم سنشهد عودة قوية للمنصات المستقلة؟