إخباري
الأحد ١ فبراير ٢٠٢٦ | الأحد، ١٤ شعبان ١٤٤٧ هـ
عاجل

شرطة جرينلاند تغرم برنامج ساخر ألماني بسبب عرض علم الولايات المتحدة

حادثة رفع العلم في العاصمة نوك تثير غضباً وسط توترات سياسية

شرطة جرينلاند تغرم برنامج ساخر ألماني بسبب عرض علم الولايات المتحدة
Ekhbary Editor
منذ 2 يوم
140

جرينلاند - وكالة أنباء إخباري

شرطة جرينلاند تغرم برنامج ساخر ألماني بسبب عرض علم الولايات المتحدة

فرضت السلطات في جرينلاند غرامة على فريق إنتاج برنامج تلفزيوني ساخر ألماني شهير، بعد أن حاول أحد أفراد الفريق رفع علم الولايات المتحدة الأمريكية في مكان عام بالعاصمة نوك. الحادثة، التي وقعت وسط توترات سياسية ودبلوماسية متزايدة تتعلق بتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول الجزيرة، أثارت موجة من الغضب والاستياء بين سكان جرينلاند، الذين اعتبروا هذا التصرف استفزازياً وغير لائق.

وقع الحادث خلال تصوير حلقة جديدة من برنامج "Extra 3"، الذي تنتجه هيئة الإذاعة العامة الألمانية NDR. وقد أشار أحد أعضاء فريق العمل إلى نيته رفع العلم الأمريكي في مساحة عامة، وهو ما اعتبرته السلطات المحلية انتهاكاً للقوانين المحلية وتصرفاً غير مسؤول، خاصة في ظل السياق السياسي الراهن.

تأتي هذه الواقعة في وقت تتزايد فيه النقاشات الدولية حول الوضع السياسي لجرينلاند، وهي منطقة تتمتع بحكم ذاتي وتتبع مملكة الدنمارك. وقد أدلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتصريحات متكررة أعرب فيها عن اهتمامه بالجزيرة، بل وتحدث عن إمكانية شرائها أو حتى السيطرة عليها بالقوة العسكرية، مما أثار قلقاً بالغاً لدى سكان جرينلاند والدنمارك والمجتمع الدولي.

وفقاً لما ذكرته هيئة الإذاعة NDR، فقد أبلغ عضو في فريق تحرير برنامج "Extra 3" السلطات المحلية بنيته رفع العلم الأمريكي في مكان عام أثناء التصوير. وقد حاول الممثل الكوميدي البافاري ماكسي شافرث، البالغ من العمر 41 عاماً، رفع علم "النجوم والشارات" على سارية علم بالقرب من المركز الثقافي في نوك. إلا أنه قوبل بتصدي من المارة، حيث ادعى أنه مسؤول أمريكي، وغادر المكان وسط نظرات استهجان من السكان المحليين، حسبما أفاد صحفي من وكالة فرانس برس كان متواجداً في الموقع.

وصلت الشرطة إلى الموقع وفرضت غرامة على الفريق، وفقاً لتصريحات متحدثة باسم هيئة الإذاعة. ولا تزال التحقيقات جارية بشأن ملابسات الحادث وتفاصيله الكاملة. وأكدت NDR أن التصوير جرى يومي الثلاثاء والأربعاء في العاصمة نوك.

وقد أعربت آفااراك أولسن، عمدة بلدية كومونيكارفيك سيرميرسوك التي تضم العاصمة، عن غضبها الشديد. وقالت في بيان رسمي: "رفع علم قوة عسكرية عظمى، التي ظلت لأسابيع تلمح إلى استخدام القوة العسكرية ضد بلدنا، في المركز الثقافي لعاصمتنا، ليس مزحة على الإطلاق". وأضافت أولسن: "إنه ليس أمراً مضحكاً، بل هو مؤذٍ للغاية".

وأشارت أولسن إلى أن سكان جرينلاند، وخاصة الأطفال، كانوا يعانون من قلق شديد بسبب الوضع برمته. وتابعت قائلة: "عندما تضخمون هذه المخاوف من أجل المحتوى أو النقرات أو الضحك، فإنكم لا تتصرفون بجرأة أو إبداع. بل تزيدون من ضائقة شريحة ضعيفة أصلاً من السكان... لذا، توقفوا قبل التصوير. فكروا قبل أن تنظموا شيئاً 'مضحكاً'." وحثت أولسن على التفكير ملياً قبل القيام بأي فعل قد يؤثر على العالم، أو ببساطة يجعل طفلاً يبكي أو عائلة تشعر بانعدام الأمان في بلدها.

من جانبها، أوضحت هيئة الإذاعة NDR أن الهدف من هذا المقطع كان تقديم رد فعل نقدي وساخر على التحركات والتصريحات الدولية المثيرة للجدل التي صدرت عن الولايات المتحدة بشأن جرينلاند. وأكدت في بيان لها: "التحركات الأمريكية التي نوقشت عالمياً هي التي دفعت إلى هذا الفحص النقدي في البرنامج الساخر. ولم يكن القصد في أي وقت أثناء التصوير أن يكون هذا السخرية موجهة ضد سكان جرينلاند". وأضافت الهيئة: "يعرب فريق التحرير عن أسفه للشعب في جرينلاند إذا كان هذا الانطباع قد حدث".

وشددت هيئة الإذاعة على أنها تأخذ الحساسيات المحيطة بموقع التصوير على محمل الجد. ويُذكر أن برنامج "Extra 3" يُبث منذ سنوات عديدة على قناة NDR كجزء من البرامج التلفزيونية العامة الألمانية، وهو معروف بأسلوبه الساخر والناقد للقضايا السياسية والاجتماعية.

يأتي هذا الحادث في سياق تصريحات متكررة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول إمكانية ضم جرينلاند، حيث عبر في بعض الأحيان عن نيته شرائها، وفي أحيان أخرى عن استعداده لاستخدام القوة العسكرية للسيطرة على الجزيرة الواقعة في القطب الشمالي. وقد صرح ترامب في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، بعد محادثات مع الأمين العام لحلف الناتو مارك روت، بأن هناك إطاراً لاتفاق بشأن مستقبل جرينلاند.

في المقابل، سحب ترامب تهديداته بفرض رسوم عقابية على الحلفاء الأوروبيين، بما في ذلك ألمانيا، بعد أن أعربوا عن دعمهم لجرينلاند والدنمارك. وبرر ترامب اهتمامه بجرينلاند بالقول إنه لولا ذلك، لكانت روسيا أو الصين قد تسعيان للسيطرة على الجزيرة. هذه التصريحات والمواقف الأمريكية تزيد من تعقيد الوضع الجيوسياسي للجزيرة وتثير مخاوف بشأن سيادتها واستقلالها.

إن حادثة رفع العلم، وإن كانت تهدف إلى السخرية والنقد، فقد تسببت في إثارة مشاعر القلق والغضب لدى سكان جرينلاند، الذين يرون في مثل هذه الأفعال تقليلاً من شأنهم واستفزازاً لمشاعرهم الوطنية. وتؤكد تصريحات عمدة البلدية على أهمية الحساسية الثقافية والسياسية عند التعامل مع قضايا تتعلق بالسيادة والهوية الوطنية، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة.

تُبرز هذه القضية الأبعاد المتعددة للعلاقات الدولية، وكيف يمكن للأعمال الفنية، حتى لو كانت ساخرة، أن تتفاعل مع السياقات السياسية المعقدة وتؤدي إلى عواقب غير متوقعة. إن ردود الفعل الغاضبة في جرينلاند تعكس وعياً متزايداً بأهمية الجزيرة الاستراتيجية وموقعها الجيوسياسي، ورغبة قوية في الحفاظ على استقلالها وسيادتها في مواجهة الأطماع الخارجية.

تسلط هذه الحادثة الضوء أيضاً على الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام، وخاصة البرامج الساخرة، في تشكيل الرأي العام والتعبير عن المواقف السياسية. فبينما يرى البعض في البرنامج وسيلة مشروعة للنقد السياسي، يرى آخرون أنه تجاوز الحدود المقبولة وتسبب في إلحاق الأذى بمشاعر شعب بأكمله. يبقى تقييم نوايا الفريق وردود الفعل المحلية هو مفتاح فهم تعقيدات هذه الحادثة.

من المتوقع أن تثير هذه القضية مزيداً من النقاش حول حدود حرية التعبير في سياق العلاقات الدولية، ومدى مسؤولية وسائل الإعلام عند تناول قضايا حساسة تتعلق بالسيادة والهوية الوطنية. يبقى الأمل معقوداً على أن يتم حل هذا الموقف وديًا، وأن تؤدي التحقيقات الجارية إلى فهم أعمق لوجهات النظر المختلفة، وتجنب تكرار مثل هذه الحوادث في المستقبل.