إخباري
الجمعة ٢٠ فبراير ٢٠٢٦ | الجمعة، ٣ رمضان ١٤٤٧ هـ
عاجل

الصين تحسم الجدل: السائق هو المسؤول الأول في حوادث السيارات ذاتية القيادة

بكين تضع إطاراً قانونياً واضحاً يلقي باللوم على العنصر البشر

الصين تحسم الجدل: السائق هو المسؤول الأول في حوادث السيارات ذاتية القيادة
7DAYES
منذ 6 ساعة
18

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

في خضم السباق العالمي المحتدم نحو تبني تقنيات القيادة الذاتية وأنظمة المساعدة الذكية، التي تعد بثورة في عالم النقل، تبرز معضلة قانونية شائكة تتطلب حلاً عاجلاً: من يتحمل المسؤولية القانونية في حال وقوع حادث بمركبة مزودة بهذه الأنظمة المتقدمة؟ هل هو السائق الذي يجلس خلف المقود، أم الشركة المصنعة التي طورت البرمجيات والأجهزة المعقدة؟ في خطوة اعتبرها مراقبون حاسمة ومؤثرة، حسمت الصين، إحدى الدول الرائدة في تبني التكنولوجيا الحديثة، هذا الجدل بقرار واضح وصريح: المسؤولية تقع على عاتق السائق البشري، بغض النظر عن مستوى تطور النظام الذاتي.

يشهد العالم تسارعاً غير مسبوق في وتيرة تطوير ونشر السيارات ذاتية القيادة، من المستويات الأولى التي تقدم مساعدات بسيطة للسائق، وصولاً إلى المستويات المتقدمة التي تتيح للسيارة تولي مهام القيادة بشكل شبه كامل في ظروف معينة. هذه التقنيات، التي تهدف إلى تعزيز السلامة المرورية وتقليل الأخطاء البشرية وتخفيف الازدحام، قد بدأت بالفعل في تغيير مفاهيم القيادة التقليدية. ومع ازدياد ثقة المستهلكين بهذه الأنظمة، تتصاعد الحاجة إلى إطار قانوني واضح يحدد المسؤوليات ويحمي الحقوق في سيناريوهات لم تكن موجودة من قبل.

القرار الصيني، الذي يأتي ضمن تحديثات شاملة لقوانين المرور، يؤكد على مبدأ أساسي مفاده أن السائق هو المتحكم النهائي في السيارة. حتى في الأنظمة ذاتية القيادة من المستوى الثاني والثالث، حيث يمكن للسيارة أن تتولى مهام القيادة لفترات محدودة، يُفترض أن يظل السائق منتبهاً ومستعداً للتدخل في أي لحظة. هذا النهج يلقي بالعبء الأكبر على العنصر البشري، معتبراً أن التقنية هي أداة مساعدة وليست بديلاً كاملاً عن مسؤولية الإنسان. ويأتي هذا القرار في سياق سعي الصين لتنظيم قطاع التكنولوجيا المتنامي بسرعة، وضمان وضوح المساءلة في مواجهة الابتكارات الجديدة.

هذا التوجه القانوني له تبعات عميقة على كل من الشركات المصنعة والمستهلكين. فبالنسبة للشركات، قد يقلل من المخاطر القانونية المباشرة التي تواجهها في حال وقوع حوادث، لكنه في الوقت نفسه يضع عليها مسؤولية أكبر في توضيح حدود أنظمتها وقدراتها، وتثقيف السائقين حول كيفية استخدامها بأمان. أما بالنسبة للمستهلكين، فإن هذا القرار يفرض عليهم وعياً أكبر بضرورة عدم التخلي عن الانتباه الكامل أثناء القيادة، حتى في ظل وجود أنظمة متقدمة، ويؤكد على أن "القيادة الذاتية" لا تعني بالضرورة "القيادة بدون سائق".

تباين المواقف الدولية: هل تتبع الدول الأخرى النموذج الصيني؟

لا يزال المشهد القانوني العالمي المتعلق بالمركبات ذاتية القيادة في طور التكوين ويشهد تبايناً ملحوظاً. فبينما تتجه الصين نحو تحميل السائق المسؤولية، تستكشف دول أخرى مقاربات مختلفة. في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تختلف القوانين بين الولايات، وهناك نقاش مستمر حول متى يمكن تحميل الشركة المصنعة المسؤولية (في حالات عيوب التصميم أو البرمجيات) ومتى يكون السائق هو المسؤول. ألمانيا، من جانبها، كانت من أوائل الدول التي قدمت إطاراً قانونياً للقيادة الآلية، مشددة على ضرورة وجود سائق داخل السيارة ومستعد للتدخل، ولكنها أيضاً فتحت الباب أمام إمكانية تحميل المسؤولية للشركة المصنعة في حال إثبات خلل فني أو برمجي.

تحديات المستقبل: من "القيادة المساعدة" إلى "القيادة المستقلة" بالكامل

يكمن التحدي الأكبر في التمييز بين مستويات القيادة الذاتية. ففي المستويات الأولى (المستوى 1 و 2)، حيث تقتصر الأنظمة على المساعدة في مهام معينة كالحفاظ على المسار أو التحكم التكيفي بالسرعة، يكون السائق هو المسؤول بوضوح. أما في المستويات الأعلى (المستوى 3)، حيث يمكن للسيارة أن تقود نفسها في ظروف محددة، ولكن مع ضرورة أن يكون السائق جاهزاً للتدخل، يصبح الخط الفاصل أكثر ضبابية. ومع التقدم نحو المستويات 4 و 5، حيث تصبح السيارة مستقلة بالكامل ولا تتطلب أي تدخل بشري، ستتحول المسؤولية بشكل حتمي نحو الشركات المصنعة ومطوري البرمجيات. هذا التحول يتطلب إعادة تعريف شاملة للمفاهيم القانونية المتعلقة بالملكية، التأمين، والمسؤولية الجنائية.

في هذا السياق، يصبح دور البيانات المسجلة من السيارة حاسماً. فصناديق "البيانات السوداء" (Event Data Recorders - EDRs) وأنظمة تسجيل البيانات الأخرى ستكون أساسية في تحديد ما إذا كان الحادث ناجماً عن خطأ بشري، أو فشل تقني، أو مزيج من الاثنين. كما أن تطور الذكاء الاصطناعي وقدرته على اتخاذ قرارات معقدة في أجزاء من الثانية يثير تساؤلات أخلاقية وفلسفية حول مساءلة الآلة نفسها، وهو ما قد يدفع المشرعين إلى ابتكار أطر قانونية جديدة تماماً تتجاوز المفاهيم التقليدية للمسؤولية.

في الختام، يشكل القرار الصيني نقطة تحول مهمة في النقاش العالمي حول المسؤولية القانونية في عصر السيارات ذاتية القيادة. إنه يضع معياراً واضحاً في أحد أكبر الأسواق التكنولوجية في العالم، وقد يؤثر على كيفية صياغة التشريعات في دول أخرى. ومع ذلك، يبقى هذا القرار مرحلة أولى في رحلة طويلة ومعقدة لتكييف القوانين مع الابتكارات التكنولوجية المتسارعة، مؤكداً أن التوازن بين الابتكار والسلامة والمساءلة سيظل التحدي الأبرز للمشرعين والمجتمعات على حد سواء في السنوات القادمة.

الكلمات الدلالية: # القيادة الذاتية # السيارات ذاتية القيادة # المسؤولية القانونية # حوادث السيارات # الصين # السائق # الشركات المصنعة # التكنولوجيا # الذكاء الاصطناعي # التشريعات المرورية