الولايات المتحدة - وكالة أنباء إخباري
الكشف عن الأنماط الرياضية السرية في موسيقى باخ
لطالما اشتهرت موسيقى الملحن الألماني الباروكي يوهان سيباستيان باخ ببنيتها المنظمة بدقة، لدرجة أنها غالباً ما تُقارن بالرياضيات. ورغم أن قلة من الناس يتأثرون عاطفياً بالرياضيات المجردة، إلا أن أعمال باخ، والموسيقى بشكل عام، تمتلك القدرة على إثارة المشاعر الإنسانية بعمق. إنها ليست مجرد أصوات؛ إنها رسالة. واليوم، بفضل الأدوات المستمدة من نظرية المعلومات، بدأ الباحثون في فهم الآلية التي تنقل بها موسيقى باخ هذه الرسائل.
قام العلماء بتمثيل النوتات الموسيقية كشبكات بسيطة تتكون من نقاط (عقد) متصلة بخطوط (حواف)، ومن ثم قاموا بقياس كمية المعلومات التي تنقلها مئات من مؤلفات باخ. أظهر تحليل لهذه الشبكات الموسيقية، نُشر مؤخراً في مجلة Physical Review Research، أن الأساليب الموسيقية المتنوعة لباخ، مثل الكورالات والتكاتا، تختلف بشكل كبير في مقدار المعلومات التي تنقلها. والأكثر إثارة للاهتمام، أن هذه الشبكات الموسيقية تحتوي على هياكل بنيوية تجعل رسائلها أسهل للفهم من قبل المستمعين البشريين.
اقرأ أيضاً
- عودة مورينيو إلى ريال مدريد: بين أمجاد الماضي وتحديات الحاضر
- أنور عبد الملك: المفكر المصري الذي سعى لـ"تغيير العالم" برؤى "ريح الشرق"
- تراجع نفوذ أيباك: كيف تحدى مايك روجرز وعبدول السيد سطوة اللوبي الإسرائيلي في أمريكا؟
- "بنج كلي" يشعل جدلاً طبياً واسعاً في مصر: اعتراضات التمريض ورد المؤلف
- الطائرات الورقية الغامضة بخيوطها الطويلة تثير قلق إسرائيل الأمني
يقول الفيزيائي سومان كولكارني من جامعة بنسلفانيا، المؤلف الرئيسي للدراسة الجديدة: "لقد وجدت الفكرة رائعة حقاً. لقد استخدمنا أدوات من الفيزياء دون وضع افتراضات مسبقة حول القطع الموسيقية، بدأنا ببساطة بهذا التمثيل ورأينا ما يمكن أن يخبرنا به عن المعلومات التي يتم نقلها.".
اعتمد الباحثون في قياس المحتوى المعلوماتي، الذي يتراوح بين التسلسلات البسيطة والشبكات المعقدة، على مفهوم "الإنتروبيا المعلوماتية" (information entropy)، وهو مفهوم قدمه عالم الرياضيات كلود شانون في عام 1948. كما يوحي الاسم، فإن الإنتروبيا المعلوماتية ترتبط رياضياً ومفاهيمياً بالإنتروبيا الديناميكية الحرارية. يمكن اعتبارها مقياساً لمدى "مفاجأة" الرسالة، حيث يمكن أن تكون "الرسالة" أي شيء ينقل معلومات، من تسلسل أرقام إلى مقطوعة موسيقية.
قد يبدو هذا المنظور غير بديهي، نظراً لأن المعلومات غالباً ما تُعادل باليقين في الاستخدام الشائع. لكن الفكرة الأساسية للإنتروبيا المعلوماتية هي أن تعلم شيء تعرفه بالفعل لا يُعد تعلمًا. على سبيل المثال، المحادثة مع شخص لا يستطيع قول سوى شيء واحد، مثل شخصية "هودور" في المسلسل التلفزيوني "صراع العروش" الذي يقتصر على قول "هودور"، ستكون متوقعة ولكنها غير مفيدة من حيث المعلومات. محادثة مع شخصية "بيكاتشو" من بوكيمون قد تكون أفضل قليلاً؛ فالشخصية لا تستطيع قول سوى المقاطع الصوتية في اسمها، ولكن يمكنها إعادة ترتيبها، على عكس هودور. وبالمثل، فإن مقطوعة موسيقية تتكون من نوتة واحدة فقط ستكون سهلة نسبياً للدماغ "لتعلمها" أو إعادة إنتاجها بدقة كنموذج ذهني، لكنها ستكافح لنقل أي نوع من الرسائل.
بالطبع، فإن حشو الرسالة بالكثير من المعلومات لا يكون مفيداً إذا كان المتلقي (سواء كان شخصاً أو شيئاً ما) غير قادر على فهم تلك المعلومات بدقة. وعندما يتعلق الأمر بالرسائل الموسيقية، لا يزال الباحثون يعملون على فهم كيفية تعلمنا لما تحاول الموسيقى إخبارنا به. يشير عالم العلوم المعرفية ماركوس بيرس من جامعة كوين ماري في لندن، الذي لم يشارك في الدراسة الحديثة، إلى وجود "نظريات مختلفة". ويضيف: "أعتقد أن النظرية الرئيسية في الوقت الحالي تستند إلى التعلم الاحتمالي.".
في هذا الإطار، يعني "تعلم" الموسيقى بناء تمثيلات ذهنية دقيقة للأصوات الفعلية التي نسمعها - ما يسميه الباحثون "نموذجاً" - من خلال تفاعل بين التوقع والمفاجأة. تتنبأ نماذجنا الذهنية باحتمالية ظهور صوت معين تالياً، بناءً على ما سبقه. ثم، كما يقول بيرس: "تكتشف ما إذا كان التنبؤ صحيحاً أم خاطئاً، ومن ثم يمكنك تحديث نموذجك وفقاً لذلك.".
كولكارني وزملاؤها هم فيزيائيون، وليسوا موسيقيين. استخدموا أدوات من مجال الفيزياء لتحليل البنية الرياضية للموسيقى، دون افتراضات مسبقة حول طبيعة الموسيقى أو تأثيرها العاطفي. أظهرت النتائج أن شبكات الموسيقى المعقدة، مثل تلك الموجودة في أعمال باخ، تحتوي على "هياكل" فريدة من نوعها. هذه الهياكل، التي تم تحديدها من خلال تحليل الإنتروبيا المعلوماتية، تبدو وكأنها مصممة لتسهيل معالجة المعلومات من قبل الدماغ البشري. بعبارة أخرى، يبدو أن باخ، بطريقة غير واعية ربما، قد قام بتضمين "ميزات" في موسيقاه تجعلها سهلة الفهم والتقدير.
تُظهر هذه الدراسة كيف يمكن لتطبيق مفاهيم من مجالات علمية مختلفة، مثل الفيزياء ونظرية المعلومات، أن يكشف عن أبعاد جديدة وعميقة في فنون مثل الموسيقى. إن فهم هذه الأنماط الرياضية الكامنة لا يقلل من القيمة الفنية أو العاطفية للموسيقى، بل يثري فهمنا لكيفية عملها وتأثيرها علينا. إنه يفتح الباب أمام المزيد من الأبحاث حول العلاقة بين الرياضيات والموسيقى، وكيف يمكن لهذه الروابط أن تساعدنا في فهم أعمق للإدراك البشري والتواصل.