الولايات المتحدة - وكالة أنباء إخباري
الهجرة قد تكون متأصلة في جيناتنا: دراسة تكشف عن ارتباط بين الحمض النووي والميل للترحال
يبدو أن الرغبة الملحة في الترحال وحزم الأمتعة لاستكشاف أماكن جديدة، والتي تظهر لدى البعض بشكل طبيعي منذ الولادة، قد لا تكون مجرد نزوة عابرة أو نتيجة لظروف خارجية فحسب، بل قد تكون متجذرة بعمق في تركيبتنا الجينية. تشير أبحاث علمية حديثة إلى أن سمات وراثية معينة، مرتبطة بالتطور المعرفي والقدرة على تحمل المخاطر، قد تفسر جزئياً سبب انتقال بعض الأفراد بعيداً عن أماكن ولادتهم. هذه الاكتشافات، التي تربط بين الحمض النووي البشري والسلوك الهجرة، تمتد جذورها إلى آلاف السنين، مما يسلط الضوء على دور التطور في تشكيل سلوكياتنا الأساسية.
أظهرت دراسة واسعة النطاق، نُشرت نتائجها الأولية على موقع bioRxiv.org في 6 فبراير، أن الميل البشري لتغيير مكان الإقامة بشكل دائم، وخاصة الانتقال لمسافات بعيدة، يمكن أن يُعزى جزئياً إلى عوامل وراثية. يعتقد الباحثون أن هذه السمات الجينية قد تكون متأصلة في التطور المبكر للدماغ، وتظهر هذه البصمات الجينية ليس فقط في المجتمعات الحديثة، بل أيضاً في جينومات البشر القدامى التي يعود تاريخها إلى آلاف السنين. هذا الربط بين الجينات والهجرة يوحي بأن عوامل مثل الوظائف، والسكن، والسياسة ليست العوامل الوحيدة التي تدفع الناس للانتقال، بل تلعب السمات البيولوجية المرتبطة بالقدرة المعرفية والمخاطرة، والتي فضلتها عملية الانتقاء الطبيعي عبر العصور، دوراً لا يستهان به.
اقرأ أيضاً
قال إيفان كوزنيتسوف، عالم الوراثة السلوكية في جامعة تارتو بإستونيا، والذي لم يشارك في البحث الجديد: "هناك شيء ما في جينومنا يؤثر على قراراتنا" بالانتقال. وأضاف أن هذه النتائج تفتح آفاقاً جديدة لفهم دوافع الهجرة البشرية.
في الدراسة الجديدة، قام فريق بقيادة عالم الوراثة العصبية جاكوب مايكلسون من جامعة أيوا بتحليل البيانات الجينية لحوالي 250 ألف شخص في المملكة المتحدة. قارن الباحثون المسافة التي يعيشها الأشخاص عن مسقط رأسهم بأنماط الحمض النووي عبر جينوماتهم. ووجدوا أن الأشخاص الذين انتقلوا لمسافات أبعد يميلون إلى مشاركة متغيرات جينية معينة في الجينات المشاركة في تطور الدماغ. على وجه الخصوص، كانت هذه المتغيرات نشطة في خلايا عصبية تُعرف بالخلايا العصبية الاستثارية (excitatory neurons)، والتي تلعب أدواراً حاسمة في عمليات التعلم، والتخطيط، وتقييم النتائج غير المؤكدة. هذه الخلايا العصبية، المسؤولة عن إرسال الإشارات العصبية، قد تكون مرتبطة بقدرة الفرد على التكيف مع بيئات جديدة وتقييم الفرص والمخاطر المرتبطة بالانتقال.
على الرغم من أن هذه الاختلافات الجينية فسرت حوالي 5% فقط من سلوك الهجرة، أي نسبة صغيرة من الاختلافات في المسافة التي يتحركها الناس، إلا أن الإشارة الجينية ظلت قوية حتى بعد الأخذ في الاعتبار عوامل مثل التعليم والصحة. هذا يشير إلى أن "الرغبة في التنقل" ليست مجرد مسألة الحصول على شهادات علمية أو تحسين الحالة الصحية، بل هي متجذرة، ولو جزئياً، في بيولوجيتنا.
المثير للاهتمام أن هذه الأنماط الجينية لم تكن خاصة بالمجتمعات الحديثة فقط. فقد قام فريق مايكلسون بتحليل تسلسلات الحمض النووي القديم لأكثر من 1300 فرد عاشوا قبل 10 آلاف عام. ووجدوا أن نفس المتغيرات الجينية المرتبطة بالهجرة كانت قادرة على التنبؤ بمدى حركة الأفراد خلال حياتهم في الماضي، وذلك بناءً على المسافة المقدرة بين أماكن ولادتهم ومواقع دفنهم. كما لوحظ أن هذه المتغيرات زادت في تكرارها بمرور الوقت، مما يدل على أن الانتقاء الطبيعي قد فضل السمات المرتبطة بالتنقل والاستكشاف مع انتشار البشر في بيئات جديدة.
حتى بعد قرون من عصر الاستكشاف، الذي شهد تشكيل إمبراطوريات عالمية وإعادة تشكيل تدفقات الحركة البشرية خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر، يبدو أن هذه الميول القديمة لا تزال تؤثر على من ينتقل اليوم، وعلى الأماكن التي تستفيد اقتصادياً من هذه الحركة. تشير هذه النتائج إلى أن قدرة أسلافنا على استكشاف أراضٍ جديدة والتكيف معها كانت عاملاً أساسياً في بقائنا وانتشارنا كنوع.
في تحليل منفصل للبيانات الأمريكية، ألمحت الدراسة إلى أن هذه الميول الجينية قد تشكل الثروات الاقتصادية الإقليمية. قام الباحثون بحساب "متوسط درجة الهجرة" – وهو تقدير يعتمد على الحمض النووي لمدى ميل الأشخاص للانتقال بعيداً عن المنزل – لحوالي 3000 شخص في 222 مقاطعة، بالاعتماد على بيانات جينية تم جمعها من خلال دراسة بحثية حول التوحد. ووجدوا أن المقاطعات التي استقبلت عدداً أكبر من السكان ذوي الجينات المرتبطة بالهجرة شهدت لاحقاً نمواً أسرع في الدخل. هذا الاتجاه يثير احتمال أن المساهمين في الهجرة لمسافات طويلة قد يساهمون في الديناميكية الاقتصادية على المستوى المحلي، ربما عن طريق جلب مهارات جديدة، أو أفكار مبتكرة، أو طاقة تحمل المخاطر إلى المجتمعات التي ينضمون إليها.
ومع ذلك، يحذر العلماء من أن هذا التحليل استكشافي ولا يمكنه إثبات علاقة سببية مباشرة. "هذا منطقي جداً"، كما يقول فاسيلي بانكراتوف، عالم الوراثة التطورية في جامعة تارتو، والذي شارك مع كوزنيتسوف في تأليف دراسة العام الماضي تربط بين الجينات وأنماط الهجرة المعاصرة في بلدهم. لكن بانكراتوف أضاف: "عندما تدخل مجال علم الوراثة للسلوك الاجتماعي، تصبح الأمور معقدة للغاية".
أخبار ذات صلة
- انتخابات ولاية بادن-فورتمبيرغ: انتصار الخضر يفتح فصلاً سياسياً جديداً في الجنوب الغربي
- خلافة خامنئي: ترامب يهدد، وطهران ترفض التدخل الأمريكي
- إلغاء خطر الطائرات بدون طيار في ستافروبول: تفاصيل وتداعيات
- إلغاء حالة خطر الطائرات المسيرة في أوسيتيا الشمالية مع استمرار عمل المقر العملياتي على مدار الساعة
- الأمم المتحدة تحذر من كارثة إنسانية في الشرق الأوسط