إخباري
الجمعة ٣ أبريل ٢٠٢٦ | الجمعة، ١٥ شوال ١٤٤٧ هـ
عاجل
متاح أيضاً بـ: English

سوريا في عين العاصفة: حياد حذر وارتدادات يومية لصراع إيران وإسرائيل

دمشق تتجنب الانخراط الرسمي في الصراع الإقليمي بعد سقوط نظام

سوريا في عين العاصفة: حياد حذر وارتدادات يومية لصراع إيران وإسرائيل
مهابا تيدورا
منذ 2 أسبوع
62

بينما تتسع رقعة الاشتباكات في الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل، والتي تعد الثانية من نوعها بعد حرب الـ12 يومًا في صيف 2025، يبرز المشهد السوري بخصوصية لافتة. فبعد سنوات طويلة كانت فيها دمشق ساحة رئيسية للصراع الإقليمي، يبدو الوضع اليوم مختلفاً جذرياً عما كان عليه قبل سقوط نظام بشار الأسد وخروج القوات الإيرانية والفصائل التابعة لها من الأراضي السورية. هذا التحول يضع سوريا في موقع الحياد الحذر، لكنه لا يعفيها من تداعيات يومية تثقل كاهل شعبها.

حياد رسمي وتدابير حدودية مشددة

على المستوى الرسمي، تشير قراءة المشهد الراهن إلى أن سوريا تنأى بنفسها عن الحرب الدائرة بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى. هذه السياسة التي يمكن وصفها بـ"الحياد الدفاعي" أو "التباعد القسري"، تتبناها الحكومة السورية المؤقتة برئاسة أحمد الشرع. وقد اكتفت الحكومة باتخاذ إجراءات حدودية مشددة مع لبنان والعراق، تحسباً لامتداد النزاع بسبب احتمال انخراط أطراف من البلدين في القتال دعماً لإيران، وفقاً لمصادر رسمية.

هذا التحول الجيوسياسي لم يكن خياراً أيديولوجياً بقدر ما كان استجابة لضغط الواقع الجديد. فبعد نصف قرن من حكم حافظ وبشار الأسد، حيث كانت سوريا وإيران شريكين في حلف استراتيجي شكلت فيه دمشق العمق البري لطهران وموطئ قدم ميليشياتها نحو الجولان والبحر المتوسط، انقلبت المعادلة. لم تعد سوريا حليفة لإيران بالمعنى التقليدي، ولم تعلن عداءً صريحاً قد يجرها لحرب شاملة، بل أصبحت "منطقة عازلة" بحكم الواقع، تحاول الموازنة بين عدم استفزاز إيران وعدم تقديم ذريعة لإسرائيل لاستهداف البنية التحتية السورية.

السماء ساحة المعركة: ارتدادات أمنية يومية

على الأرض، تعيش سوريا وضعاً استثنائياً، فبدلاً من أن تكون المعركة دائرة على أراضيها كما كان يحدث طيلة السنوات الماضية، هي اليوم تدور في سمائها. فبعد أن دمرت إسرائيل معظم منظومات الدفاع الجوي السورية في غارات أعقبت سقوط النظام مباشرة، باتت الأجواء السورية مفتوحة. يتم رصد تصدٍ إسرائيلي متواصل للصواريخ والمسيرات الإيرانية التي تعبر الأجواء السورية، في غياب أي قدرة سورية على الاعتراض أو الرد. هذا المشهد يؤكد أن سوريا، رغم حيادها، تبقى ركناً أساسياً في المعادلة الشرق أوسطية، مما يجعل استبعادها كلياً عن تداعيات الحرب أمراً غير ممكن.

هذا التصدي الإسرائيلي للطائرات والمسيرات الإيرانية، وإن كان يحدث في السماء، إلا أن له تداعيات ملموسة على الأرض. فشظايا الصواريخ المتساقطة تسبب بين الحين والآخر أضراراً مادية في الممتلكات العامة والخاصة، وتسجل بعض الإصابات البشرية نتيجة هذه الشظايا، فيما لم تسجل حتى الآن أي حالة وفاة جراء ذلك.

أزمة اقتصادية خانقة وتداعيات عالمية

إلى جانب المخاوف الأمنية، يجد السوريون أنفسهم تحت وطأة أزمة اقتصادية تتفاقم بسبب التداعيات العالمية للحرب. فالاضطرابات في إمدادات الطاقة عالمياً، الناجمة عن الصراع الدائر في المنطقة، تنعكس سلباً على السوق السورية التي تعاني أصلاً من انهيار اقتصادي خانق. ارتفاع أسعار المحروقات والطاقة بشكل عام يضيف عبئاً جديداً على مواطن أنهكته سنوات الحصار والعقوبات. فمعاناة تأمين مادة الغاز والمازوت للتدفئة في الشتاء، والبنزين للتنقل، تتحول إلى كابوس يومي يذكر السوري بأنه، حتى وهو بعيد عن ساحات القتال، يدفع ثمناً باهظاً لصراعات لا ناقة له فيها ولا جمل.

تباين في آراء الشارع السوري: من التشفي إلى دعم المقاومة

في هذا المشهد المعقد، تتعدد قراءات السوريين للحرب الدائرة، حيث ينظر كل منهم إلى الأحداث من خلال تجربته الشخصية مع أطراف النزاع. فمن عانى من إيران وفصائلها يقرأ الحرب بتشفي، ومن تركزت معاناته مع إسرائيل يقرأها بأمل، ومن أنهكته السنوات الماضية يراها صراعاً لا يعنيه. لكن ما يجمع هؤلاء جميعاً، رغم اختلاف قراءاتهم، هو أن السوري يبقى دائماً من يدفع الثمن.

محمد المصري، أحد سكان العاصمة، يعبر عن هذا الإحساس بالمرارة قائلاً لـ"يورونيوز": "ما الذي جنيته من هذه الحرب؟ على مدى 14 عاماً، لكل من إسرائيل وإيران يد في خراب وتدمير سوريا، وكلاهما شارك في قتل الشعب السوري وتدمير اقتصاده، واستغلا حاجة السوريين والعقوبات الاقتصادية المفروضة عليهم، واستفادا أكثر مما خسرا. لا أعتقد أن هذه الحرب تهمني".

في المقابل، تحمل يارا سمندر جرحاً مختلفاً يتعلق بالقضية الفلسطينية فتقول لـ"يورونيوز": "أنا لا أنحاز لأي طرف، ولكن إسرائيل على مدى 70 عاماً تهجر وتقتل وتعتقل الشعب الفلسطيني. أنا سعيدة لأنهم يتذوقون الآن الخوف والرعب الذي عاشه أهلنا في غزة من الصواريخ التي تتساقط عليهم".

أما علي صالح فيعبر عن موقف أكثر تعقيداً، يمزج بين الرفض المبدئي لإسرائيل والتشفي مما يحصل لإيران: "لا يمكنني أبداً أن أقف مع إسرائيل. لكن في الوقت نفسه، يقال اليوم إن لإسرائيل يداً كبيرة في إسقاط النظام الذي خلصنا من طغيان استمر 50 عاماً. إيران والميليشيات الإيرانية كانوا سبباً في قتل وتهجير الشعب السوري. فليذوقوا ما ذقناه". ويضيف علي: "تقسيم إيران ليس في مصلحة أحد في الشرق الأوسط. المنطقة مصلحتها في تغيير سلوك النظام الإيراني، سواء بإرادة الشعب الإيراني أو عبر إدارة داخلية أو خارجية، وهذا يصب في مصلحة شعوب المنطقة".

في مقابل هذه الآراء، هناك أصوات أخرى ترفض منطق "العدوين" أو "التشفي"، وتنظر للحرب من زاوية دعم لـ"المقاومة". سيدة سورية فضلت عدم الكشف عن هويتها لضرورات أمنية، تعبر عن رأي مغاير تماماً: "أرى أن ما تفعله إيران هو في سبيل تحرير فلسطين، خاصة أن إيران تعتبر دعماً حقيقياً لحماس وحزب الله". وتضيف في حديثها لـ"يورونيوز"، "لا أفهم لماذا يشمَت البعض بإيران، يجب أن نفرق بين النظام الإيراني والشعب الإيراني. الشعب الإيراني مثلنا، يدفع الثمن، وهو منفصل عن التصرفات الخاطئة. أنا لا أوافق على كل تصرفات النظام الإيراني، لكن قضية فلسطين خط أحمر."

سوريا: من حليف استراتيجي إلى منطقة عازلة

التباين في آراء الشارع السوري لا يعكس فقط تجارب شخصية متناقضة، بل يرصد تحولاً جيوسياسياً عميقاً في بنية الدولة السورية نفسها. هذا التحول يضع سوريا في موقع استراتيجي جديد؛ فهي لم تعد "ورقة ضغط" بيد إيران ضد إسرائيل، بل أصبحت "منطقة عازلة" بحكم الواقع، تحاول الموازنة بين عدم استفزاز إيران وعدم تقديم ذريعة لإسرائيل لاستهداف البنية التحتية السورية، وهو ما يمثل تحدياً هائلاً لحكومة دمشق المؤقتة وشعبها الذي يجد نفسه يدفع ثمن صراعات إقليمية لا يملك قرارها.

الكلمات الدلالية: # سوريا # الحرب الإيرانية الإسرائيلية # الحياد السوري # الاقتصاد السوري # تداعيات الحرب # الصراع الإقليمي # أحمد الشرع # المشهد السوري