الشرق الأوسط - وكالة أنباء إخباري
ضباب الذكاء الاصطناعي في زمن الحرب: صور مزيفة وضربات حقيقية في إيران
في خضم التوترات المتصاعدة في إيران، يواجه العالم تحديًا جديدًا وغير مسبوق يتمثل في "ضباب الذكاء الاصطناعي"، حيث تتلاشى الخطوط الفاصلة بين الحقيقة والتزييف. إن الانتشار السريع للصور والمقاطع المرئية المولدة بالذكاء الاصطناعي في سياق الصراع الإيراني لا يجعل السؤال الأساسي "هل هذا حقيقي؟" بلا إجابة فحسب، بل إنه يقوض أيضًا القدرة على فهم الأحداث الجارية وتوثيقها بشكل موثوق.
في 27 فبراير، ظهرت صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي على إنستغرام، ادعت أنها تُظهر معدات عسكرية ثقيلة داخل مدرسة كريميان الابتدائية في أصفهان. تم تداول المنشور، الذي حمل علامة مائية مرئية لـ Google Gemini، على نطاق واسع من قبل حسابات مناهضة للنظام، بما في ذلك الاتحاد الحر لعمال إيران. وقد نفت المدرسة هذه الادعاءات، مؤكدة أن المعدات المزعومة لا يمكن أن تتناسب ماديًا مع مبانيها، وسرعان ما أكد مدققو الحقائق الإيرانيون في الشتات أن الصورة كانت مفبركة.
اقرأ أيضاً
- الأرجنتين تهزم إنجلترا وتتأهل لنهائي كأس العالم 2026 لمواجهة إسبانيا
- الأرجنتين تتأهل لنهائي كأس العالم وميسي يحطم رقماً قياسياً
- غارات جوية تستهدف أكبر تشكيلات الجيش الإيراني المدرعة في الأهواز
- مواقيت الصلاة اليوم الخميس في القاهرة والمحافظات المصرية
- ريمونتادا الأرجنتين تطيح بإنجلترا وتتأهل لنهائي كأس العالم 2026
ولم يكد يمر يوم حتى تعرضت مدرسة شجرة طيبة الابتدائية للبنات في مدينة ميناب الجنوبية لضربة جوية، في موجة أولى من الهجمات على إيران. أفادت السلطات الإيرانية بمقتل ما لا يقل عن 175 شخصًا، العديد منهم من الأطفال. على الرغم من أن العدد الدقيق للضحايا لم يتم تأكيده بشكل مستقل، إلا أن تحقيقًا لصحيفة نيويورك تايمز أكد أن المدرسة تعرضت لضربة دقيقة بالتزامن مع هجمات على قاعدة بحرية مجاورة. وخلص تحقيق أولي للجيش الأمريكي إلى أن القوات الأمريكية كانت هي المسؤولة على الأرجح. كانت المدرسة تقع ضمن أراضي ثكنات لواء عاصف التابع للبحرية الإيرانية، وهي قاعدة عسكرية نشطة، وقد تم تحويل المبنى من الاستخدام العسكري ليخدم أطفال العائلات العسكرية والمدنية.
تكمن المفارقة المأساوية هنا في التوقيت: فقبل يوم واحد من بدء الضربات الحقيقية، زرعت صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي فكرة أن النظام الإيراني يخفي معدات عسكرية في المدارس. في اليوم التالي، تم تدمير مدرسة حقيقية – كانت جزءًا من مجمع عسكري في السابق ولكن تم فصلها عنه منذ عام 2016، وفقًا لمنظمة هيومن رايتس ووتش. لقد كانت الصورة المزيفة خاطئة بشأن مدرسة كريميان، ولكن بحلول وقت ضربة ميناب، كان الجمهور مهيأً لتصديق أن المدرسة كانت هدفًا عسكريًا مشروعًا، وليس موقعًا لكارثة مدنية. تراكمت الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي على وسائل التواصل الاجتماعي، مما جعل من الصعب بشكل متزايد تحديد ما حدث لهؤلاء الأطفال بدقة.
إن هذا المشهد يمثل "ضباب الحرب" في العصر الرقمي، حيث لا تخدع التزييفات المولدة بالذكاء الاصطناعي الجميع، ولا تلتقط أدوات الكشف كل شيء. نحن نعيش في عالم تُوصف فيه الصور الحقيقية لوفيات مدنية حقيقية بأنها مزيفة، وتُستخدم فيه الصور المزيفة لتوضيح وفيات حقيقية. حيث يُستخدم التحديد الصحيح لصورة مزيفة واحدة لإلقاء الشك على الصور الحقيقية، وحيث يكون الكشف غير الصحيح موثوقًا به، وحيث يحدث كل ذلك بسرعة تفوق قدرة أي مؤسسة إخبارية أو مدقق حقائق أو خدمة صور أو منصة على المعالجة. لا يتطلب ضباب الذكاء الاصطناعي أن يكون كل جزء من المحتوى مفبركًا؛ بل يتطلب أن يصبح السؤال "هل هذا حقيقي؟" قريبًا من أن يكون بلا إجابة.
عندما انتشرت مقاطع فيديو لدمار ميناب، سرعان ما انتشرت ادعاءات على منصات مثل X وتلغرام وإنستغرام بأن اللقطات كانت في الواقع من بيشاور بباكستان أو تفجير مدرسة سيد الشهداء في كابول عام 2021. تدخل مدققو الحقائق هذه المرة للدفاع عن صحة اللقطات الحقيقية، بعد أن فضحوا الصور المزيفة عن مدرسة مختلفة في اليوم السابق. لكن أدوات الذكاء الاصطناعي مثل Grok أضافت إلى الارتباك، حيث وافقت على ادعاءات كاذبة حول مصدر الفيديو، مستشهدة بمصادر مثل نيويورك تايمز والغارديان والجزيرة وويكيبيديا، على الرغم من أن هذه المصادر نفسها تحتوي على صور تتناقض مباشرة مع هذه الادعاءات. في النهاية، قام محللو الاستخبارات مفتوحة المصدر بتحديد الموقع الجغرافي للقطات لتطابق إحداثيات المدرسة في ميناب، مما كشف عن أن Grok لم يكن خاطئًا فحسب، بل كان "خاطئًا بثقة"، مما منح الإنكار سلطة آلية.
في غضون ذلك، سعت السلطات الإيرانية أيضًا إلى التلاعب بالسرد. فقد أدان السفير الإيراني في النمسا ضربة ميناب واتهم أوروبا بالتواطؤ في "موت روحنا الجماعية"، ونشر صورة لحقيبة ظهر وردية لطفل مغطاة بالدماء والغبار. أكدت أداة SynthID من جوجل أن الصورة كانت مولدة بالذكاء الاصطناعي. لقد استخدم النظام صورة مفبركة لتوضيح وفيات أطفال حقيقيين، مما يوفر الآن ذريعة لأولئك الذين يرغبون في إنكار القصف الحقيقي. لطالما رفض النظام الإيراني الأدلة على عنفه وجرائمه بوصف الوثائق بأنها مفبركة ومزيفة ومن إنتاج أجنبي. والآن، انتقل رد الفعل الاتهامي المماثل هذا إلى وسائل الإعلام المعارضة وحسابات الشتات.
ومع ذلك، قُتل أطفال، حتى لو كان هناك دعاية كاذبة حول وفاتهم. إن اهتمام النظام بنشر هذه الوفيات لا يعني أن الوفيات لم تحدث. في 3 مارس، دفن المشيعون في ميناب الفتيات والموظفين. نشر وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، صورة لموقع الدفن على X، حصدت ملايين المشاهدات. في غضون ساعات، ادعى حساب للمعارضة في الشتات أن الصورة أعيد تدويرها من مقبرة في جاكرتا حيث دفن ضحايا كوفيد في يوليو 2021. لم يتم دعم هذا الادعاء بأي فحص للحقائق، بما في ذلك البحث العكسي عن الصور أو تحليل البيانات الوصفية. في الوقت نفسه، نشر حساب يدعو إلى "تحقيق شفاف لضمان المساءلة" صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي لآباء ينوحون على جثث ملفوفة، مما زاد من تلوث السجل الإثباتي الذي كان المنشور يحاول الدفاع عنه. أخيرًا، قام فريق التحقيقات المرئية في نيويورك تايمز بتحديد الموقع الجغرافي لموقع الدفن في مقبرة هرمود في ميناب، وأظهرت صور الأقمار الصناعية أن القبور حُفرت في قسم لم يمسه أحد من قبل، بما يتفق مع القصف الذي وقع يوم السبت والجنازة التي جرت يوم الثلاثاء. وأكد صحفي من نيويورك تايمز أن الصورة لم تكن مولدة بالذكاء الاصطناعي.
أخبار ذات صلة
إن معرفة أن النظام قد نظم جنازة متلفزة ومتقنة للأطفال الذين قُتلوا جراء ضربات أجنبية يثير غضبًا عارمًا لدى العديد من الإيرانيين، داخل البلاد وخارجها. هذا الغضب يتجذر في ذاكرة الاحتجاجات السابقة، مثل تلك التي بدأت في ديسمبر 2025 وبلغت ذروتها في يناير 2026، والتي قوبلت بما يُعتقد أنه مذابح لآلاف المتظاهرين، بمن فيهم الأطفال. في هذا المناخ المشحون، حيث يتم التلاعب بالصور والمعلومات من قبل جميع الأطراف، يصبح السعي وراء الحقيقة مهمة شاقة وضرورية، لضمان عدم تآكل الواقع نفسه بفعل الضباب الرقمي.