الخميس، ١ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ / 13 أغسطس 2026 م 06:38 م بتوقيت القاهرة
إعدادات الصفحة
الوضع الداكن
الصلاة القادمة --:--:--
--° القاهرة

معرض دمشق الدولي للكتاب 2026: بوابة سوريّة نحو عصر ثقافي جديد ومستقبل رقمي

استمع للخبر عبد الفتاح يوسف 2026-02-13 23:54 13
معرض دمشق الدولي للكتاب 2026: بوابة سوريّة نحو عصر ثقافي جديد ومستقبل رقمي

القاهرة - وكالة أنباء إخباري

عاد معرض دمشق الدولي للكتاب إلى الانعقاد في شباط/ فبراير 2026، ليُشكّل بحد ذاته واحداً من أبرز المؤشرات الثقافية على انبلاج مرحلة جديدة في سوريَة. تُقام هذه الدورة كأول نسخة استثنائية تشهد فعالياتها بعد التغيرات الكبرى التي شهدتها البلاد منذ 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، وبدء عهد جديد فيها، مما أضفى على الحدث بُعداً يتجاوز كونه مجرد فعالية ثقافية سنوية ليصبح منصة رمزية لإعادة تشكيل المجال العام وتوسيع مساحات التعبير الفكري.

وفي هذا السياق، يبرز المعرض – الذي يُعد من أقدم التظاهرات الثقافية في المنطقة – بوصفه نقطة تقاطع محورية بين الثقافة التقليدية وصناعة المحتوى المعرفي الحديثة. تتجلى أهميته في قدرته على استيعاب التحولات التقنية المرتبطة بالنشر الرقمي، والترجمة المعززة، وتداول المعرفة عبر المنصات الإلكترونية، وهو ما يعكس رؤية شاملة لمستقبل الثقافة السورية.

مشاركة دولية واسعة وانفتاح ثقافي غير مسبوق

تُعد الدورة الحالية من معرض دمشق الدولي للكتاب محطة استثنائية بكل المقاييس، إذ تأتي بعد انقطاع لعدة سنوات، وتُقدَّم رسمياً على أنها بداية جديدة للحياة الثقافية في سوريَة، مصبوغة بتطورات التحول الرقمي الذي تشهده البلاد. يركز المعرض بشكل لافت على الانفتاح وتنوع الأفكار في الفضاء العام، وهو ما يؤكده المسؤولون الثقافيون الذين يرون فيه انعكاساً لانتقال نحو مساحة ثقافية أكثر انفتاحاً وتعدداً، مع إعادة الاعتبار للكتاب كأداة أساسية لبناء الوعي وتعزيز التفكير النقدي.

الحدث، الذي يُقام في مدينة المعارض بريف دمشق، شهد مشاركة واسعة من ناشرين ومؤسسات ثقافية من 35 دولة، وبحضور تجاوز 500 دار نشر. لم يقتصر الأمر على عرض الكتب، بل امتد ليشمل تنظيم نحو 650 فعالية متنوعة، اشتملت على ندوات فكرية، وبرامج ثقافية غنية، وورش عمل متخصصة. كما تضمنت الفعاليات إطلاق أكثر من سبع جوائز ثقافية مرموقة، منها جوائز لأفضل الناشرين السوريين والعرب والدوليين، وجائزة أفضل ناشر شاب، وجوائز مخصصة لكتب الأطفال. وعلاوة على ذلك، احتضن المعرض فعاليات تتناول الخط العربي والفنون البصرية، وأسواقاً للكتب المستعملة، وصالونات ثقافية استضافت نخبة من كبار المفكرين والمبدعين من مختلف أنحاء العالم العربي.

ولعل أبرز ما ميز هذه الدورة هو المشاركة العربية والدولية الواسعة، مع حضور بارز لجناحي قطر والمملكة العربية السعودية كضيفتي شرف، وما رافقه من برامج ثقافية وتراثية جذبت اهتمام الزوار بشكل كبير. تشير هذه الأنشطة إلى توجه استراتيجي نحو الاستثمار في إنتاج المحتوى المعرفي وتطويره، وليس مجرد عرضه، مما يعزز مكانة المعارض بوصفها نقاط انطلاق لمشروعات نشر قابلة للتطوير رقمياً.

رافد حيوي للبحث العلمي والمعرفة المتخصصة

وفقاً لتقرير نشرته وكالة الأنباء السورية الرسمية، فقد تحول المعرض في دورته الحالية إلى قبلة استراتيجية لطلبة الدراسات العليا والباحثين في مختلف الاختصاصات العلمية والأدبية. يسهم المعرض بفعالية في ردم الفجوة بين الباحث ومصادره، عبر توفير مراجع تخصصية كان الحصول عليها صعباً أو مستحيلاً في السابق، ليشكل بذلك محركاً أساسياً لدعم المسيرة التعليمية والبحثية في سوريَة.

وأكد عدد من الطلبة أن المعرض يمثل فرصة استثنائية لتجاوز الصعوبات التي تواجههم في تأمين المصادر والمراجع، وخاصة الحديثة منها. في هذا السياق، أشار طالب الماجستير في الرياضيات، أحمد خلف، إلى أن المعرض وفّر عليه عناء البحث الطويل والانتظار، قائلاً: “كنت أبحث عن مراجع تخصصية دقيقة في مجالي، وخلال نقاشي مع زملائي في الجامعة نصحوني بالتوجه إلى المعرض، وبالفعل وجدت هنا مراجع متنوعة وبأسعار منافسة جداً، فضلاً عن الرقي في التعامل والخدمات المتميزة التي يقدمها القائمون على الأجنحة”.

من جانبها، لفتت براءة بجبج، طالبة في كلية الصيدلة، إلى أن معرض دمشق الدولي للكتاب أسهم في حل مشكلة ندرة المصادر العلمية الموثوقة التي تعتمد عليها في دراستها. أوضحت بجبج أن البحث عبر المحركات العالمية غالباً ما يصطدم بعوائق الاشتراكات المالية المرتفعة أو صعوبة الدفع الإلكتروني للحصول على المراجع الكاملة، في حين وفر لها المعرض هذه المصادر بنسخ ورقية ومترجمة (عربي-إنجليزي) وبأسعار مقبولة وفي متناول الطالب.

التحول الرقمي: استثمار في المستقبل المعرفي

على الرغم من أن الكتاب الورقي ما يزال محور الحدث، فإن الدورة الحالية عكست حضوراً متزايداً للتقنيات المرتبطة بالنشر الحديث. فقد استضاف المعرض شركات متخصصة في الكتب الصوتية والنشر الرقمي، إلى جانب مبادرات مبتكرة لتحويل الشعر العربي إلى محتوى صوتي وأرشفة التراث الأدبي عبر منصات رقمية. يعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً بأن مستقبل القراءة لا ينفصل عن البنية الرقمية، خاصة في بيئة يتراجع فيها إقبال الشباب على شراء الكتب الورقية لصالح استهلاك المحتوى عبر الإنترنت.

من منظور تقني، يمكن قراءة هذه الخطوات ضمن ثلاث طبقات تحول أساسية: منصات النشر الرقمي، ابتكار المحتوى التفاعلي، وتحليل بيانات القراء. هذه المجالات باتت تشكل محركاً رئيسياً لنمو قطاع النشر عالمياً، وتظهر بوادر دخولها تدريجياً إلى المشهد الثقافي المحلي. في السياق التقني، لم يعد الكتاب منتجاً ثقافياً فحسب، بل مصدراً للبيانات قابلاً للتحليل والمعالجة، فالتحول نحو النشر الرقمي يفتح الباب أمام استخدام الذكاء الاصطناعي في تخصيص المحتوى، واقتراح الكتب، وتحليل سلوك القراء، وحتى في المساعدة على تأليف النصوص. هذه التطبيقات تجعل من معارض الكتب مساحة تفاعل ديناميكية بين قطاع الثقافة وشركات التقنية، من منصات الصوتيات إلى مزودي حلول إدارة المحتوى.

مبادرات مبتكرة: دار الرشيد نموذجاً

من بين المبادرات المشاركة اللافتة في المعرض، تبرز دار الرشيد للطباعة والنشر والتوزيع بمشروعاتها التفاعلية الجديدة. ومن ضمنها مشروع “المصحف الشريف الناطق”، وهو إصدار يعتمد على رفد المصحف الورقي بقلم إلكتروني قارئ، بما يتيح للمتلقي التفاعل المباشر مع النص القرآني بمجرد تمرير القلم على الآيات، في تجربة فريدة تجمع بين التقانة الحديثة وعلوم القرآن.

وأشار مندوب الدار، فادي مخللاتي، في حديثه إلى وكالة الأنباء السورية الرسمية، إلى إمكانية الاستماع إلى التلاوة بأصوات نحو عشرين قارئاً، بعدة قراءات معتمدة، وإتاحة الترجمات لعدد كبير من اللغات، والتوقف عند التفسير وأسباب النزول، وإعراب الآيات وأحكام التجويد ومخارج الحروف. كما يوفر النظام، بحسب مخللاتي، إمكانية تسجيل صوت القارئ ذاته ومقارنة قراءته بالنموذج المعياري لتصحيح الأخطاء، مما يحول المصحف إلى حاضنة تعليمية متكاملة لطلاب الحفظ ودارسي علوم القرآن من مختلف الأعمار.

وتحدث مخللاتي عن مشروع آخر للدار تحت اسم “الكتاب الناطق”، موضحاً أنه انطلق من فكرة تحويل الكتاب إلى وسيط حي يجمع بين القراءة والاستماع والمشاهدة. يعتمد هذا الإصدار التفاعلي على رمز خاص (باركود) يقوم القارئ بمسحه عبر تطبيق مجاني على الهاتف المحمول، ليظهر مقطع فيديو يشرح الفكرة الواردة في النص بالصوت والصورة، وباللغتين العربية والإنجليزية. كما يتيح المشروع إدخال الهاتف في نظارة واقع افتراضي، ليجد المتلقي نفسه داخل المشهد الذي يقرأ عنه، سواء كان ذلك رحلة إلى الفضاء، أو جولة في موقع أثري، أو تجربة علمية مبسطة، في خطوة تعزز حضور التقانة في خدمة المعرفة. ولفت مخللاتي إلى أن جناح الدار يضم كذلك سلسلة من الإصدارات التفاعلية الرقمية، بلغ عددها حتى الآن نحو 148 عنواناً تستهدف شرائح واسعة، من الطفل في عمر السنتين مروراً بطلاب المراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية، ووصولاً إلى الشباب الجامعيين، مع قصص ناطقة تنمّي مهارات القراءة بالعربية والإنجليزية، وترسّخ النطق السليم.

دعم ثقافة الطفل والانفتاح التنظيمي

من بين الاتجاهات البارزة في المعرض، حضور دور نشر متخصصة في كتب الأطفال والتربية، ضمن توجه استراتيجي لتخصيص مساحة أوسع لثقافة الطفل وتوسيع تنوع العناوين المعروضة. هذا القطاع تحديداً يمثل فرصة واعدة للنشر الرقمي، إذ تُعد كتب الأطفال من أكثر المجالات قابلية للتحول إلى تطبيقات تعليمية تفاعلية، وهو مجال يلتقي مباشرة مع اقتصاد التطبيقات التعليمية المزدهر. كما حظي جناح وزارة التربية والتعليم بإقبال كبير من الأطفال وذويهم، وذلك لوجود شاشات تفاعلية بتقنيات عالية تجمع بين المعرفة والتعليم والمتعة.

ترافق الحدث مع إشارات إيجابية نحو تخفيف القيود الرقابية على الكتب، في خطوة عُدَّت انعكاساً لتحولات في السياسة الثقافية. كما تم توفير تسهيلات للناشرين مثل دعم الشحن والإعفاءات المالية لتعزيز المشاركة. هذا الانفتاح – إن استمر – قد يكون عاملاً حاسماً في جذب منصات نشر رقمية واستثمارات معرفية أجنبية، إذ تُعد البيئة التنظيمية من أهم محددات نمو الاقتصاد الإبداعي.

تحديات وآفاق مستقبلية

مع وجود المؤشرات الإيجابية، تبقى التحديات قائمة، ومنها القدرة الشرائية للقراء وتغير عادات الاستهلاك الثقافي، وهي عوامل أثرت في مبيعات بعض الناشرين خلال دورات سابقة. وعليه، فإن القيمة الاستراتيجية للمعرض قد لا تكمن فقط في عدد العناوين أو المشاركين، بل في قدرته على التحول إلى منصة رقمية متكاملة تشمل التجارة الإلكترونية للكتب، ومكتبات المحتوى الرقمي، وأدوات تعليمية تفاعلية.

وهكذا، تعكس دورة 2026 من معرض دمشق الدولي للكتاب لحظة انتقالية فارقة لصناعة النشر في بيئة ثقافية تعيد تشكيل نفسها. فالحدث – بمشاركة مئات دور النشر ومئات الآلاف من الزوار – لا يمثل مجرد عودة تقليدية إلى الكتاب الورقي، بل يبرز كمؤشر واضح على دخول تدريجي لعناصر النشر الرقمي والصوتي والذكاء الاصطناعي إلى المشهد الثقافي السوري، مؤكداً التزام دمشق بمواكبة التطورات العالمية في عالم المعرفة.

# معرض دمشق الدولي للكتاب # النشر الرقمي # الثقافة في سوريا # التحول الرقمي # صناعة الكتاب # الذكاء الاصطناعي # الكتب الصوتية # التعبير الفكري # سورية # دمشق # دور النشر
اقرأ هذا الخبر