القاهرة - وكالة أنباء إخباري
معرض دمشق الدولي للكتاب: انعكاس لتحولات ثقافية وتقنية في سورية
عاد معرض دمشق الدولي للكتاب في فبراير 2026 ليرسم ملامح مرحلة ثقافية جديدة في سورية، محولًا الحدث من مجرد تظاهرة ثقافية إلى منصة رمزية لإعادة تشكيل المجال العام وتوسيع مساحات التعبير الفكري. هذه الدورة الاستثنائية، التي تُعد الأولى بعد التغيرات الكبرى التي شهدتها البلاد منذ ديسمبر 2024، تحمل دلالات عميقة لبداية عهد جديد، وتؤكد مكانة المعرض، الذي يُعد من أقدم الفعاليات الثقافية في المنطقة، كنقطة تقاطع حيوية بين التقاليد المعرفية وصناعة المحتوى الحديثة.
يتجسد المحور الأساسي لهذه الدورة في التركيز على الانفتاح وتنوع الأفكار في الفضاء العام، بالتزامن مع استيعاب تطورات التحول الرقمي الذي يمس كافة جوانب الحياة في سورية. يرى المسؤولون الثقافيون أن المعرض يعكس انتقالًا ملموسًا نحو مساحة ثقافية أكثر رحابة وتعددًا، مع إعادة الاعتبار للكتاب كأداة محورية في بناء الوعي وتعزيز التفكير النقدي لدى الأفراد والمجتمعات.
اقرأ أيضاً
- دوللي بارتون: حقائق مدهشة لم تكن تعلمها عن أسطورة الكانتري
- دولي بارتون: وداع أسطورة الكانتري وأبرز أغانيها الخالدة
- قائد بالجيش البريطاني يكشف: الروبوتات الأرضية العسكرية ليست الحل الشامل وتواجه تحديات كبرى
- دولي بارتون: مسيرة أيقونة موسيقى الريف وثروتها الخيرية البالغة 450 مليون دولار
- رحيل أيقونة الفن دوللي بارتون: وفاة أسطورة موسيقى الكانتري والتمثيل عن 80 عاماً
مشاركة دولية واسعة وأفق جديد للاستثمار المعرفي
استضافت مدينة المعارض بريف دمشق فعاليات المعرض، وشهدت مشاركة واسعة النطاق من ناشرين ومؤسسات ثقافية تمثل 35 دولة وأكثر من 500 دار نشر. لم يقتصر الحدث على عرض الكتب، بل امتد ليشمل تنظيم نحو 650 فعالية متنوعة، بين ندوات وبرامج ثقافية مكثفة. وقد أُطلقت خلال المعرض سبع جوائز ثقافية، كجائزة أفضل الناشرين السوريين والعرب والدوليين، وجائزة أفضل ناشر شاب، بالإضافة إلى جوائز مخصصة لأدب الأطفال، وفعاليات حول الخط العربي والفنون، وأسواق للكتب، وصالونات ثقافية استضافت كبار المفكرين والمبدعين.
كانت المشاركة العربية والدولية لافتة، مع حضور بارز لجناحي قطر والسعودية كضيفتي شرف، وما رافق ذلك من برامج ثقافية وتراثية جذبت اهتمام الزوار. هذه الأنشطة لا تعكس مجرد عرض للكتب، بل تشير إلى توجه استراتيجي نحو الاستثمار في إنتاج المحتوى المعرفي وتطويره، مما يعزز مكانة المعارض كنقاط انطلاق لمشاريع نشر قابلة للتطوير رقميًا، وتسهم في بناء اقتصاد معرفي مستدام.
المعرض كقبلة أكاديمية: سد الفجوة بين الباحثين والمصادر
أصبح معرض دمشق الدولي للكتاب، وفقًا لوكالة الأنباء السورية الرسمية، قبلة استراتيجية لطلبة الدراسات العليا والباحثين في مختلف الاختصاصات العلمية والأدبية. لقد أسهم الحدث بشكل فعال في ردم الفجوة بين الباحثين ومصادرهم، عبر توفير مراجع تخصصية كان من الصعب الحصول عليها سابقًا، ليُشكل بذلك محركًا أساسيًا لدعم المسيرة التعليمية والبحثية في سورية.
أكد عدد من الطلبة أن المعرض يمثل فرصة استثنائية لتجاوز الصعوبات في تأمين المصادر والمراجع، وخاصة الحديثة منها. في هذا السياق، أشار أحمد خلف، طالب الماجستير في الرياضيات، إلى أن المعرض وفّر عليه عناء البحث الطويل والانتظار، قائلًا: «كنت أبحث عن مراجع تخصصية دقيقة في مجالي، وخلال نقاشي مع زملائي نصحوني بالتوجه إلى المعرض، وبالفعل وجدت هنا مراجع متنوعة وبأسعار منافسة جدًا، فضلًا عن الرقي في التعامل والخدمات المتميزة التي يقدمها القائمون على الأجنحة». وبدورها، أوضحت براءة بجبج، طالبة الصيدلة، أن المعرض حل مشكلة ندرة المصادر العلمية الموثوقة التي تعتمد عليها في دراستها، حيث وفر لها هذه المصادر بنسخ ورقية ومترجمة (عربي-إنجليزي) وبأسعار مقبولة وفي متناول الطالب، متفاديًا عوائق الاشتراكات المالية المرتفعة وصعوبة الدفع الإلكتروني التي تواجه البحث عبر المحركات العالمية.
تحولات النشر الرقمي والذكاء الاصطناعي: ملامح مستقبل المعرفة
على الرغم من أن الكتاب الورقي ظل محور الحدث، إلا أن الدورة الحالية عكست حضورًا متزايدًا للتقنيات المرتبطة بالنشر الحديث. فقد استضاف المعرض شركات متخصصة في الكتب الصوتية والنشر الرقمي، إلى جانب مبادرات مبتكرة لتحويل الشعر العربي إلى محتوى صوتي وأرشفة التراث الأدبي عبر منصات رقمية. هذا التوجه يعكس إدراكًا متناميًا بأن مستقبل القراءة بات لا ينفصل عن البنية الرقمية، لا سيما في بيئة يشهد فيها إقبال الشباب على شراء الكتب الورقية تراجعًا لصالح استهلاك المحتوى عبر الإنترنت.
من منظور تقني، تُقرأ هذه الخطوات ضمن ثلاث طبقات تحول أساسية تشمل: الكتب الصوتية، والنشر الرقمي، والواقع الافتراضي والمعزز. هذه المجالات تُشكل محركًا رئيسيًا لنمو قطاع النشر عالميًا، وتظهر بوادر دخولها تدريجيًا إلى المشهد الثقافي المحلي. لم يعد الكتاب منتجًا ثقافيًا فحسب، بل تحول إلى مصدر بيانات قابل للتحليل والمعالجة. ويفتح التحول نحو النشر الرقمي الباب أمام استخدام الذكاء الاصطناعي في: تحليل سلوك القراء، وإنتاج المحتوى المخصص، وتوزيع الكتب، بالإضافة إلى تسويقها. هذه التطبيقات تحول معارض الكتب إلى مساحة تفاعل ديناميكية بين قطاع الثقافة وشركات التقنية، من منصات الصوتيات إلى مزودي حلول إدارة المحتوى المعرفي.
ابتكارات دار الرشيد: المصحف الناطق والكتاب التفاعلي
تبرز دار الرشيد للطباعة والنشر والتوزيع بمشاريعها التفاعلية الجديدة التي عُرضت في المعرض. من أبرزها مشروع «المصحف الشريف الناطق»، وهو إصدار يعتمد على قلم إلكتروني قارئ يتيح للمتلقي التفاعل المباشر مع النص القرآني بمجرد تمرير القلم على الآيات. وأشار فادي مخللاتي، مندوب الدار، إلى إمكانية الاستماع إلى التلاوة بأصوات نحو عشرين قارئًا، بعدة قراءات معتمدة، بالإضافة إلى توفير ترجمات لعدد كبير من اللغات، وإمكانية التوقف عند التفسير وأسباب النزول، وإعراب الآيات وأحكام التجويد ومخارج الحروف. كما يوفر النظام إمكانية تسجيل صوت القارئ ذاته ومقارنة قراءته بالنموذج المعياري لتصحيح الأخطاء، مما يحول المصحف إلى حاضنة تعليمية متكاملة لطلاب الحفظ ودارسي علوم القرآن من مختلف الأعمار.
كما تحدث مخللاتي عن مشروع آخر للدار تحت اسم «الكتاب الناطق»، الذي يحول الكتاب إلى وسيط حي يجمع بين القراءة والاستماع والمشاهدة. يعتمد هذا الإصدار التفاعلي على رمز خاص (باركود) يقوم القارئ بمسحه عبر تطبيق مجاني على الهاتف المحمول، ليظهر مقطع فيديو يشرح الفكرة الواردة في النص بالصوت والصورة، وباللغتين العربية والإنجليزية. ويقدم المشروع تجربة غامرة من خلال إتاحة إدخال الهاتف في نظارة واقع افتراضي، ليجد المتلقي نفسه داخل المشهد الذي يقرأ عنه، سواء كان ذلك رحلة إلى الفضاء، أو جولة في موقع أثري، أو تجربة علمية مبسطة، مما يعزز حضور التقانة في خدمة المعرفة. وقد بلغ عدد الإصدارات التفاعلية الرقمية للدار نحو 148 عنوانًا تستهدف شرائح واسعة، من الأطفال الصغار إلى الشباب الجامعيين، مع قصص ناطقة تنمي مهارات القراءة باللغتين العربية والإنجليزية.
ثقافة الطفل ودور التعليم: استثمار في الأجيال القادمة
من الاتجاهات البارزة في المعرض حضور دور نشر متخصصة في كتب الأطفال والتربية، ما يعكس توجهًا لتخصيص مساحة أكبر لثقافة الطفل وتوسيع تنوع العناوين المعروضة. يُعد هذا القطاع فرصة ذهبية للنشر الرقمي، إذ تُعد كتب الأطفال من أكثر المجالات قابلية للتحول إلى تطبيقات تعليمية تفاعلية تتلاقى مباشرة مع اقتصاد التطبيقات التعليمية. وقد حظي جناح وزارة التربية والتعليم بإقبال كبير من الأطفال وذويهم، بفضل الشاشات التفاعلية عالية التقنية التي تجمع بين المعرفة والتعليم والمتعة.
تخفيف القيود والتحديات المستقبلية
ترافق الحدث مع إشارات إيجابية لتخفيف القيود الرقابية على الكتب، في خطوة تُعد انعكاسًا لتحولات في السياسة الثقافية. كما قُدمت تسهيلات للناشرين كدعم الشحن والإعفاءات المالية، بهدف تعزيز المشاركة. هذا الانفتاح، إن استمر، قد يكون عاملًا حاسمًا في جذب منصات نشر رقمية واستثمارات معرفية أوسع، نظرًا لأن البيئة التنظيمية تعد من أهم محددات نمو الاقتصاد الإبداعي.
رغم المؤشرات الإيجابية، تبقى التحديات قائمة، أبرزها القدرة الشرائية للقراء وتغير عادات الاستهلاك الثقافي، وهي عوامل أثرت في مبيعات بعض الناشرين خلال دورات سابقة. وعليه، فإن القيمة الاستراتيجية للمعرض لا تكمن فقط في عدد العناوين أو المشاركين، بل في قدرته على التحول إلى منصة رقمية متكاملة تشمل: مكتبة رقمية، منصة للكتب الصوتية، وشبكة تفاعلية للمبدعين. وهكذا، تعكس دورة 2026 من معرض دمشق الدولي للكتاب لحظة انتقالية فارقة لصناعة النشر في بيئة ثقافية تعيد تشكيل نفسها، مبرزةً كمؤشر على دخول تدريجي لعناصر النشر الرقمي والصوتي والذكاء الاصطناعي إلى المشهد الثقافي السوري.
أخبار ذات صلة
- بحث علمي يكشف سر ندرة الكواكب الشبيهة بتاتوين في المجرة
- تكتل كثيف من المادة المظلمة، وليس ثقبًا أسود فائق الكتلة، قد يكون في مركز مجرة درب التبانة
- لقاح واعد ضد أورام الحلق المرتبطة بفيروس الورم الحليمي البشري يظهر نتائج أولية مشجعة
- دراسة جديدة تقترح أن المادة المظلمة 'الغائمة' قد تكون الهيكل الأساسي للكون، بما يتعارض مع عقود من الأبحاث
- حرائق شمال ألاسكا تسجل أسوأ مستوياتها منذ 3000 عام