إخباري
الأربعاء ٨ يوليو ٢٠٢٦ | الأربعاء، ٢٣ محرم ١٤٤٨ هـ
عاجل

موسم حرائق غير مسبوق يجتاح أحد أهم نقاط التنوع البيولوجي على الأرض

كولومبيا تواجه تحديات بيئية هائلة مع اشتعال النيران في أنظمة

موسم حرائق غير مسبوق يجتاح أحد أهم نقاط التنوع البيولوجي على الأرض
عبد الفتاح يوسف
2026-02-06 15:55
1

كولومبيا - وكالة أنباء إخباري

موسم حرائق غير مسبوق يجتاح أحد أهم نقاط التنوع البيولوجي على الأرض

تواجه كولومبيا، وهي جوهرة التنوع البيولوجي في أمريكا الجنوبية، أزمة بيئية خطيرة مع اجتياح موسم حرائق غابات غير مسبوق لأراضيها. منذ بداية عام 2024، اندلع أكثر من 500 حريق في أنحاء البلاد، مما أدى إلى التهام ما لا يقل عن 42,000 فدان من الغابات والأراضي العشبية، وتسبب في انتشار سحب كثيفة من الدخان الملوث فوق العاصمة بوغوتا. وقد اضطرت الحكومة الكولومبية مؤخرًا إلى طلب المساعدة الدولية من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لمكافحة هذه الحرائق المتفشية.

تتميز كولومبيا بتنوع بيئي استثنائي، حيث تحتضن ما يقرب من 10% من التنوع البيولوجي العالمي، بفضل نظمها البيئية المتنوعة التي تمتد من مرتفعات الأنديز الشاهقة إلى سهول الأمازون الشاسعة. ومن بين كنوزها الطبيعية الفريدة نباتات "فرايليخونيس" (frailejones)، المعروفة أيضًا باسم "الرهبان الكبار"، وهي نباتات مميزة بأوراقها العصارية المشعرة التي تغطي سيقانها السميكة والإسفنجية. تقوم هذه السيقان الفريدة بدورها في احتجاز الضباب المتدفق فوق مرتفعات الأنديز، وخاصة في المناطق الرطبة العالية والمعروفة باسم "باراموس".

تُعد الباراموس من أسرع النظم البيئية تطوراً على وجه الأرض، وتتميز بطبيعتها الرطبة التي تتناقض بشكل صارخ مع المناخات الجافة في باقي مناطق الأنديز. ورغم أنها تغطي 1.7% فقط من مساحة كولومبيا، إلا أنها توفر 85% من مياه الشرب للبلاد. يتم تخزين هذه المياه بشكل أساسي في سيقان نباتات الفرايليخونيس خلال دورة المياه، ليتم إطلاقها لاحقًا في البحيرات والمجاري المائية. تاريخيًا، ساهمت هذه الرطوبة العالية في جعل الباراموس مقاومة للاشتعال وانتشار الحرائق.

لكن هذا العام، شهدت الباراموس ظاهرة غير مسبوقة، حيث بدأت تشتعل فيها النيران بشكل متزايد. وقد التهم حريق واحد وحده أكثر من 100 فدان من نباتات الفرايليخونيس في بارامو برلين الواقع في شمال شرق كولومبيا. وتشير البيانات إلى أن عدد الحرائق في يناير 2024 تجاوز 500 حريق، وهو رقم قياسي لم يسبق له مثيل منذ أن بدأت البلاد في جمع بيانات حرائق الغابات بشكل منهجي عام 1998. في حين أن الأنشطة البشرية كانت السبب الرئيسي لمعظم هذه الحرائق، إلا أن موجات الحر الشديدة والجفاف الناجم عن تغير المناخ قد فاقمت الوضع بشكل كبير.

يشير الخبراء إلى أن "نظام الحرائق قد تغير" في هذه النظم البيئية الهشة. فقد أظهرت تحليلات طبقات الرواسب القديمة أن مناطق الباراموس في شمال الأنديز كانت تتعرض للحرائق مرة واحدة كل 100 إلى 1000 عام على مدى السنوات العشرة آلاف الماضية. أما الآن، فتشير التقديرات إلى أن الحرائق تحدث كل سنتين إلى 10 سنوات. وقد شهد شهر يناير 2024، الذي يمثل ذروة الصيف في نصف الكرة الجنوبي، ارتفاعًا قياسيًا في درجات الحرارة، حيث سجلت كولومبيا أعلى درجات حرارة لشهر يناير خلال 30 عامًا. ووصلت درجات الحرارة في بلدة هوندا بوسط كولومبيا إلى 44 درجة مئوية (111 فهرنهايت)، وهي منطقة تحيط بها أربعة نظم بيئية من الباراموس.

تساهم هذه الحرارة المرتفعة في تفاقم موجة الجفاف التاريخية التي تعاني منها المنطقة. فالارتفاع الكبير في درجات الحرارة يؤدي إلى زيادة تبخر الرطوبة من النباتات، مما يجعل المواد النباتية الجافة، وخاصة الحطام الموجود على أرضية الغابات، أكثر عرضة للاشتعال. كما أن ذلك يتسبب في اشتعال الحرائق بشكل أشد وانتشارها بسرعة أكبر.

إن تداعيات هذه الحرائق تتجاوز مجرد تدمير الغابات. فالباناموس تلعب دورًا حيويًا في تنظيم دورة المياه وتوفير المياه الصالحة للشرب لملايين الكولومبيين. كما أن تدمير نباتات الفرايليخونيس، التي تخزن المياه في سيقانها، يهدد إمدادات المياه على المدى الطويل. بالإضافة إلى ذلك، فإن الدخان الكثيف المنبعث من الحرائق يؤثر سلبًا على جودة الهواء في المدن، بما في ذلك العاصمة بوغوتا، مما يثير مخاوف صحية خطيرة لدى السكان.

تتزامن هذه الأزمة مع جهود الحكومة الكولومبية لمواجهة تغير المناخ وحماية تنوعها البيولوجي الفريد. ويأتي طلب المساعدة الدولية كإشارة واضحة على حجم التحدي الذي تواجهه البلاد، والحاجة الملحة لتعاون عالمي للتصدي لهذه الكارثة البيئية. إن فهم الأسباب الجذرية لهذه الحرائق، سواء كانت مرتبطة بالأنشطة البشرية أو بتغير المناخ، هو خطوة أساسية لوضع استراتيجيات فعالة للوقاية والاستجابة المستقبلية.

الكلمات الدلالية: # كولومبيا، حرائق الغابات، التنوع البيولوجي، باراموس، فرايليخونيس، تغير المناخ، الجفاف، الأزمة البيئية، بوغوتا، الأمم المتحدة