القاهرة - وكالة أنباء إخباري
في تطور لافت يُنظر إليه على أنه محاولة لامتصاص الاحتقان السياسي والأمني الذي أعقب موجة احتجاجات عارمة اجتاحت البلاد مؤخراً، أطلقت السلطات الإيرانية مساء الخميس سراح قياديين بارزين في التيار الإصلاحي. جاءت هذه الخطوة بالتزامن مع إعلان الحكومة عن تشكيل لجنة تحقيق رسمية مكلفة بالوقوف على تداعيات الحركة الاحتجاجية التي استمرت لأكثر من شهر، وشهدت مواجهات دامية بين المتظاهرين وقوات الأمن.
الإفراج عن شخصيات إصلاحية بارزة
أكد حجة كرماني، وهو محام معروف، لوكالة إسنا مساء الخميس، أن موكليه جواد إمام، المتحدث باسم جبهة الإصلاح، وإبراهيم أصغر زاده، النائب السابق في البرلمان، قد أُطلق سراحهما بكفالة مالية لم يُحدد مبلغها. ويُعد إمام وأصغر زاده من الشخصيات المحورية في التيار الإصلاحي الإيراني، وسبق لهما أن عبّرا عن مواقف قريبة من مطالب المتظاهرين، وهو ما قد يكون السبب وراء اعتقالهما على خلفية الأحداث الأخيرة. وأشار المحامي كرماني، في تصريحات نقلتها صحيفة "اعتماد"، إلى احتمال إطلاق سراح رئيسة جبهة الإصلاح، آذر منصوري، خلال الأيام المقبلة بمجرد إلغاء مذكرة توقيفها، مما يشير إلى أن خطوة الإفراج قد تشمل شخصيات أخرى ضمن هذا التيار.
اقرأ أيضاً
- نائبة برلمانية تندد بفوضى عارمة خلال مراسم إطلاق بالونات في مقاطعة دورهام
- إدانة أربعة متهمين في هجوم حرق سيارات إسعاف يهودية بلندن
- نيبال: البحث يتواصل عن 33 بريطانياً مفقوداً بعد الفيضانات المدمرة
- سبتة: تصاعد العنف والتوترات في ظل أزمة المهاجرين المستمرة
- غرينلاند: لا حسم بشأن الإبادة الجماعية المزعومة عبر وسائل منع الحمل القسرية
وكانت السلطات قد وجهت للقادة الإصلاحيين اتهامات تتعلق بـ"تقويض الوحدة الوطنية" و"التناغم مع دعاية العدو"، وذلك إثر إبداء بعض شخصيات المعسكر الإصلاحي دعماً علنياً للمتظاهرين. وتضع هذه التهم التيار الإصلاحي في موقف حرج، خاصة وأن هذا التيار كان الداعم الرئيسي للرئيس مسعود بزشكيان في انتخابات 2024، مما يبرز التوتر الكامن بين السلطة التنفيذية وبعض أجنحة النخب السياسية التي تسعى لإصلاحات داخلية.
لجنة تحقيق حكومية: مسعى للتهدئة أم للملمة الأحداث؟
في سياق متصل، أعلنت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، فاطمة مهاجراني، عن تشكيل لجنة تحقيق تضم ممثلين عن المؤسسات المعنية لجمع الوثائق والشهادات حول الأحداث التي بدأت أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي. وتأتي هذه اللجنة في محاولة رسمية للتعامل مع تداعيات الاحتجاجات، لكن الغموض يكتنف نطاق عملها. فالمتحدثة لم توضح بشكل قاطع ما إذا كان التحقيق سيقتصر على الجوانب الاقتصادية المرتبطة بغلاء المعيشة، والتي كانت الشرارة الأولى للاحتجاجات، أم سيمتد ليشمل ملف الضحايا الذين سقطوا خلال المواجهات، وهو ما يعد مطلباً رئيسياً للعديد من الفعاليات الحقوقية والشعبية.
من جانبه، أبدى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أسفه لوقوع هذه الأحداث، قائلاً: "نشعر بالخجل لوقوع مثل هذه الأحداث"، مؤكداً تشكيل فرق مكلّفة بالبحث في أسباب ما جرى. ويعكس تصريح الرئيس اعترافاً جزئياً بحجم الأزمة، ويُمكن أن يُفسر كبادرة لتهدئة الشارع، إلا أن مدى فعالية هذه اللجان في تحقيق العدالة والشفافية يبقى محلاً للشكوك في ظل تاريخ طويل من لجان التحقيق التي لم تُفضِ إلى نتائج حاسمة في قضايا سابقة مشابهة.
الجدل حول أعداد الضحايا: روايتان متضاربتان
تُخيم حالة من الجدل المرير حول عدد قتلى الاحتجاجات، وتُبرز هذه النقطة عمق الانقسام بين الرواية الرسمية وما تُقدمه منظمات حقوق الإنسان. فالسلطات الإيرانية تقر بسقوط أكثر من 3 آلاف قتيل، لكنها تصر على أن معظمهم من عناصر الأمن أو المدنيين الذين قضوا برصاص "إرهابيين" يعملون لصالح قوى خارجية مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، في محاولة لربط الاضطرابات بأجندات أجنبية.
في المقابل، ترفض منظمات حقوقية دولية هذه الرواية بشكل قاطع، وتتهم الأجهزة الأمنية باستهداف المتظاهرين السلميين عمداً باستخدام القوة المفرطة. فوفقاً لمنظمة هرانا، التابعة لنشطاء في حقوق الإنسان، سقط ما يقرب من 7 آلاف قتيل، وهو رقم يتجاوز بكثير الأرقام الرسمية. وتُشير المنظمات إلى أن قمع الاحتجاجات أدى إلى تحول المطالب من معيشية بحتة إلى سياسية تنادي بتغييرات جذرية في بنية الحكم، مما يُعقد المشهد الإيراني ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول شاملة للأزمة المتفاقمة.
إن الإفراج عن القياديين الإصلاحيين وتشكيل لجنة التحقيق يُمكن أن يُنظر إليهما كمؤشرات على استعداد السلطات الإيرانية لمراجعة بعض سياساتها في التعامل مع الاحتجاجات، أو كخطوة تكتيكية لاحتواء حالة الغضب المتزايدة. يبقى السؤال حول ما إذا كانت هذه الإجراءات ستُساهم في تهدئة الشارع فعلاً وتُعيد الثقة بين الشعب والنظام، أم أنها مجرد محاولات لتأجيل الانفجار في ظل أزمة اقتصادية ومعيشية وسياسية تتفاقم يوماً بعد يوم.
أخبار ذات صلة
- بي بي سي تكشف عن حملات تضليل منظمة على إكس بشأن الصراع الأمريكي-الإيراني
- بي بي سي تكشف حملات تضليل ممنهجة على إكس بشأن الصراع الأمريكي-الإيراني
- بي بي سي تكشف حملات تضليل ممنهجة على إكس تزامناً مع تصاعد التوترات الأمريكية-الإيرانية
- اكتشاف كواكب منصهرة جديدة: ما وراء التصنيفات الكوكبية التقليدية
- ندم الأمهات: مجتمع سري يكشف عن الألم الخفي للأمومة